غرائب وحكايات

ثوران بركان كراكاتوا 1883: الانفجار الذي سُمع حول العالم

ثوران بركان كراكاتوا 1883: الانفجار الذي سُمع حول العالم📷 Marek Piwnicki · Pexels

✦ أهم النقاط

  • ثار بركان كراكاتوا في مضيق سوندا بإندونيسيا في 26–27 أغسطس 1883 بأحد أعنف الانفجارات في التاريخ المسجّل.
  • سُمع صوت الانفجار على بُعد نحو 4800 كيلومتر، وسجّلت أجهزة الضغط الجوّي موجته وهي تدور حول الأرض مرارًا.
  • لم تقتل الحمم معظم الضحايا، بل أمواج تسونامي بلغ ارتفاعها عشرات الأمتار وأودت بنحو 36 ألف إنسان.
  • قذف البركان الغبار إلى الغلاف الجوّي فبرّد الأرض مؤقتًا وصبغ غروب الشمس بألوان قرمزية حول العالم.

تخيّل أنك تقف على شاطئ في أستراليا الغربية، على بُعد آلاف الكيلومترات من أيّ بركان، فتسمع فجأة دويًّا كأنه مدفعية بعيدة. تنظر إلى السماء الصافية في حيرة: من أين جاء هذا الصوت؟ لم تكن تعلم أنك سمعت لتوّك احتضار جزيرة بأكملها على الطرف الآخر من المحيط. في يومَي 26 و27 أغسطس 1883، مزّق بركان كراكاتوا نفسه إربًا في مضيق سوندا بين جزيرتَي جاوة وسومطرة الإندونيسيتين، بانفجار ما زال يُذكر باعتباره الصوت الأعلى في التاريخ الحديث.

لم يكن كراكاتوا مجهولًا؛ فقد كان جزيرة بركانية هادئة تكسوها الغابات في ممرّ مائيّ مزدحم بالسفن. لكن تحت سكونه كانت تتراكم قوى هائلة ظلّت تنتظر لحظتها قرونًا.

لقطة أموالك (Money Snapshot)

شوف مكانك المالي في ثواني: قسمة 50/30/20 ونسبة ادّخارك وكام شهر طوارئ عندك — مجانًا.

اعرف أكثر · $0

جزيرة فوق قنبلة موقوتة

يقع كراكاتوا عند نقطة التقاء الصفيحة الأوراسية بالصفيحة الأسترالية، حيث تنغرز إحداهما تحت الأخرى في عملية تُسمّى الاندساس. هذا الاصطدام البطيء يذيب الصخر في الأعماق ويولّد صهارة لزجة محمّلة بالغازات المضغوطة. حين يعجز الغاز عن الإفلات بهدوء، يتراكم الضغط حتى ينفجر كل شيء دفعة واحدة. كان كراكاتوا مثالًا كلاسيكيًّا على هذا النوع الانفجاريّ العنيف من البراكين.

بدأت الإشارات في شهر مايو 1883، حين نفث البركان أعمدة بخار ورماد، وسُمعت هزّات خفيفة. اعتاد السكّان والبحّارة المشهد لأسابيع، وظنّ كثيرون أن العرض القديم يعيد نفسه بلا خطر. كان ذلك الهدوء الظاهر خادعًا؛ إذ كانت الصهارة تشقّ طريقها ببطء نحو السطح.

يومان غيّرا كل شيء

في بعد ظهر 26 أغسطس اشتدّ الثوران، وارتفع عمود الرماد إلى ارتفاعات مذهلة، وبدأت انفجارات متتالية تهزّ المنطقة. لكن الذروة جاءت صباح 27 أغسطس، حين وقعت سلسلة من أربعة انفجارات هائلة. الانفجار الأكبر، نحو الساعة العاشرة صباحًا، كان الأعنف: انهار جدار حجرة الصهارة، فاندفع ماء البحر إلى الداخل الملتهب، فتحوّل في لحظة إلى بخار متمدّد بقوّة لا تُتصوّر.

قُدّرت طاقة ذلك الانفجار بما يعادل أضعافًا مضاعفة من أعتى القنابل التي صنعها البشر لاحقًا. تفتّتت الجزيرة، وغاص جزء كبير منها تحت سطح البحر تاركًا فوهة غائرة. قُذفت كميات ضخمة من الصخر والرماد إلى ارتفاع عشرات الكيلومترات في الغلاف الجوّي، فحجبت الشمس وأغرقت المنطقة المحيطة في ظلام دامس دام نحو يومين ونصف. سقط الرماد على سفن تبعد مئات الكيلومترات.

الصوت الذي طاف حول الأرض

أكثر ما يجعل كراكاتوا أسطوريًّا هو صوته. سُمع دويّ الانفجار في جزيرة رودريغز في المحيط الهنديّ، على بُعد نحو 4800 كيلومتر، حيث ظنّ ضابط بريطانيّ أنه أزيز مدافع بعيدة. سُمع كذلك في أستراليا وأجزاء من آسيا. يُعدّ هذا على الأرجح أبعد مسافة قطعها صوت مسموع في التاريخ المسجّل.

لكن القصّة أعمق من مجرّد صوت مسموع. ولّد الانفجار موجة ضغط جوّيّ هائلة انطلقت في كل اتجاه، ورصدتها أجهزة قياس الضغط (البارومترات) في محطّات الأرصاد حول العالم. سجّلت الأجهزة الموجة وهي تدور حول الكوكب عدّة مرّات على مدى أيام قبل أن تخفت. كان ذلك أوّل دليل علميّ ملموس على أن حدثًا محلّيًّا يستطيع أن يترك بصمة فيزيائية على الأرض كلها.

القاتل الحقيقي: الأمواج لا النار

قد يظنّ المرء أن الحمم هي التي أهلكت الناس، لكن الحقيقة أن الغالبية العظمى من الضحايا — نحو 36 ألف إنسان — لقوا حتفهم بسبب أمواج تسونامي هائلة. حين انهارت الجزيرة وانفجرت، أزاحت كميات ضخمة من ماء البحر دفعة واحدة، فتولّدت موجات بلغ ارتفاعها في بعض المواقع أكثر من ثلاثين مترًا.

اجتاحت هذه الجدران المائية سواحل جاوة وسومطرة المنخفضة، فمحت مئات القرى في دقائق، وجرفت البشر والبيوت إلى الداخل. في إحدى الحوادث المروّعة، حملت الموجة سفينة بخارية حربية اسمها «بيروو» مسافة داخل اليابسة وتركتها عالقة بعيدًا عن الشاطئ. هذه التفاصيل تذكّرنا أن أخطر ما في البراكين الساحلية ليس النار المتوهّجة، بل الماء الذي تحرّكه.

سماء ملوّنة وصيف بارد

لم ينتهِ أثر كراكاتوا بانتهاء الثوران. الغبار الدقيق وقطرات حمض الكبريتيك التي قذفها إلى طبقة الستراتوسفير انتشرت حول الكرة الأرضية، فعكست جزءًا من ضوء الشمس إلى الفضاء. نتيجة لذلك، انخفض متوسّط حرارة الأرض بمقدار ملموس في السنوات التالية، وتأثّرت أنماط الطقس في مناطق بعيدة.

أما الأثر الأجمل والأغرب فكان في السماء: لأشهر، شاهد الناس في أنحاء العالم غروبًا مذهلًا بألوان قرمزية وبنفسجية غير مألوفة، سببها تشتّت الضوء في الغبار البركانيّ العالي. يعتقد بعض الباحثين أن تلك السماوات الملتهبة ألهمت رسّامين ومصوّرين في ذلك العصر. هكذا حوّل بركان مدمّر مأساته إلى لوحات في سماء نصف الكوكب.

ابن كراكاتوا يولد من جديد

القصّة لم تُغلق. في عام 1927، بدأت جزيرة بركانية جديدة تبرز من البحر في الموقع نفسه تقريبًا، وأطلق عليها اسم «أناك كراكاتاو» أي «ابن كراكاتوا». ما زالت هذه الجزيرة الفتيّة تنمو وتثور بين حين وآخر، وقد تسبّبت في عام 2018 بانهيار جانبيّ ولّد تسونامي قاتلًا آخر، في تذكير قاسٍ بأن القوّة الكامنة تحت مضيق سوندا لم تنطفئ.

يعلّمنا كراكاتوا درسًا مزدوجًا: عن هشاشة الإنسان أمام باطن الأرض، وعن قدرة العلم على قراءة الكوارث وفهمها. لقد جعل هذا الحدث العالم يدرك، ربّما للمرّة الأولى بوضوح، أننا نعيش على قشرة رقيقة فوق قوى جبّارة، وأن انفجارًا في جزيرة نائية قد تسمعه، وتراه في سمائك، على بُعد نصف كوكب.

شهود على نهاية العالم

ترك البحّارة والمسؤولون الهولنديون في المستعمرة آنذاك روايات مذهلة عمّا عاشوه. وصف بعضهم كيف تحوّل النهار إلى ليل دامس دون سابق إنذار، وكيف تساقط الرماد الساخن كالمطر على سطوح السفن، وكيف أضاءت السماء بومضات برق كهربائيّ مرعبة تولّدت من احتكاك جزيئات الرماد في العمود البركانيّ الهائل. تحدّث بحّارة عن أصوات هدير لم يسمعوا مثلها، وعن ضغط في الآذان رافق موجات الانفجار. لم تكن هذه مبالغات؛ فالفيزياء تؤكّد أن انفجارًا بهذا الحجم يولّد بالفعل عواصف كهربائية وموجات صوتية هائلة. هذه الشهادات المكتوبة، إلى جانب قياسات الأرصاد الدقيقة، هي ما مكّن العلماء لاحقًا من إعادة بناء صورة الحدث بدقّة نادرة لكارثة وقعت قبل عصر التصوير الحديث. لقد كان كراكاتوا من أوائل الكوارث الكبرى التي غطّتها شبكات البرق الناشئة، فانتقل خبرها حول العالم في أيّام لا أشهر — وهي في حدّ ذاتها لحظة فارقة في تاريخ انتقال الأخبار.

المصادر

Encyclopaedia Britannica — مقالة «Krakatoa». U.S. Geological Survey (USGS) — مواد عن ثوران 1883 والبراكين الاندساسية. Smithsonian Institution, Global Volcanism Program. BBC — مواد أرشيفية عن انفجار كراكاتوا.

🌍
قسم القصص والتاريخ — معرفة · فريق تحرير متخصّص في معرفة

فريق تحرير مستقل يبحث في مصادر موثوقة ويراجع كل مقال قبل النشر لضمان الدقة والوضوح. المحتوى لأغراض تعليمية عامة.