غرائب وحكايات

العام الذي بلا صيف 1816: حين أظلمت الشمس

العام الذي بلا صيف 1816: حين أظلمت الشمس📷 eberhard grossgasteiger · Pexels

✦ أهم النقاط

  • عام 1816 لُقّب بـ«العام الذي بلا صيف» بسبب برد شديد وطقس شاذّ ضرب نصف الكرة الشماليّ.
  • السبب المباشر كان ثوران بركان تامبورا الهائل في إندونيسيا عام 1815، أعنف ثوران في التاريخ المسجّل.
  • حجب الرماد والغبار البركانيّ ضوء الشمس، فبرّدت الأرض وفسدت المحاصيل وانتشرت المجاعة والأوبئة.
  • أثّرت الكآبة والغرابة في الفنّ والأدب، وأُلهمت روايات شهيرة خلال ذلك الصيف المظلم.

تخيّل أنك مزارع في نيو إنغلاند أو في قرية أوروبية عام 1816. حلّ شهر يونيو، موعد الدفء والنماء، لكنّ الصقيع يعود ليلًا، والثلج يتساقط في الصيف، والمحاصيل تذبل في الحقول. تنظر إلى الشمس فتجدها باهتة كأن غشاوة تغطّيها، وتتساءل في رعب: هل أصاب العالمَ خللٌ ما؟ لم يكن أحد يملك الجواب حينها، لكننا اليوم نعرفه بدقّة: كان الذنب لبركان ثار قبل عام على بُعد آلاف الكيلومترات، في جزيرة إندونيسية لم يسمع بها معظمهم قطّ.

دخل عام 1816 التاريخ باسم «العام الذي بلا صيف»، وهو من أوضح الأمثلة على كيف يمكن لحدث طبيعيّ في مكان ناءٍ أن يهزّ حياة الملايين حول الكوكب.

لقطة أموالك (Money Snapshot)

شوف مكانك المالي في ثواني: قسمة 50/30/20 ونسبة ادّخارك وكام شهر طوارئ عندك — مجانًا.

اعرف أكثر · $0

الوحش النائم: بركان تامبورا

في أبريل 1815، ثار جبل تامبورا في جزيرة سومباوا الإندونيسية بأعنف ثوران بركانيّ معروف في التاريخ المسجّل. كان الانفجار جبّارًا إلى درجة أنه نسف قمّة الجبل، فخفض ارتفاعه بأكثر من ألف متر دفعة واحدة. سُمع دويّه على مسافات شاسعة، وقتل الثوران نفسه عشرات الآلاف في المنطقة مباشرةً بالحمم والرماد والمجاعة اللاحقة.

لكن الأثر الأخطر والأبعد مدى كان غير مرئيّ. قذف تامبورا كميات هائلة من الرماد وثاني أكسيد الكبريت إلى طبقة الستراتوسفير العالية. هناك تحوّل الغاز إلى رذاذ دقيق من قطيرات حمض الكبريتيك انتشر حول الأرض كلها خلال أشهر، مكوّنًا حجابًا رقيقًا يعكس جزءًا من أشعّة الشمس إلى الفضاء قبل أن تصل إلى السطح.

كيف يبرّد بركانٌ كوكبًا؟

المبدأ العلميّ بسيط لكنه مذهل. الأرض تدفأ بضوء الشمس؛ فإذا نُثر في الجوّ العلويّ حجاب من الجسيمات يعكس بعض هذا الضوء، قلّت الطاقة الواصلة إلى السطح، وانخفضت الحرارة. هذا ما يسمّيه العلماء «الشتاء البركانيّ». الفارق أن قطيرات الكبريتات تبقى عالقة في الستراتوسفير شهورًا وسنوات، فيدوم أثرها المبرّد طويلًا.

بلغت هذه القطيرات ذروة انتشارها في نصف الكرة الشماليّ صيف 1816، فجاء الصيف باردًا شاذًّا. انخفض متوسّط الحرارة بمقدار يبدو صغيرًا بالأرقام — أقلّ من درجة أو نحوها — لكن حتى انخفاض بسيط في التوقيت الحرج للنموّ الزراعيّ كان كافيًا لتدمير المحاصيل على نطاق واسع. أحيانًا لا تحتاج الكارثة إلى تغيّر ضخم، بل إلى تغيّر صغير في اللحظة الحاسمة.

صيف من الجليد والجوع

في نيو إنغلاند بأمريكا الشمالية، شهد الناس صقيعًا وثلوجًا في أشهر يونيو ويوليو وأغسطس، وهو ما لم يعتادوه قطّ. تجمّدت البطاطس والذرة في الحقول، ونفقت الماشية لنقص العلف. اضطرّ كثير من المزارعين إلى هجرة أراضيهم والرحيل غربًا بحثًا عن أرض تُنبت.

في أوروبا، التي كانت لا تزال تتعافى من سنوات الحروب، كان الوضع أشدّ قسوة. أدّت الأمطار الغزيرة والبرد إلى فشل المحاصيل في بريطانيا وأيرلندا وفرنسا وألمانيا وسويسرا. ارتفعت أسعار الخبز والحبوب بشكل جنونيّ، واندلعت أعمال شغب بسبب الطعام، وتفشّت المجاعة في مناطق واسعة. رافق الجوعَ انتشارُ الأوبئة، ويُعتقد أن سوء الأحوال ساهم في موجة وبائية واسعة. باختصار، دفع سكّان نصف الكوكب ثمن بركان لم يعرفوا حتى بوجوده.

حين ألهم الظلامُ الإبداع

للمأساة وجه آخر غريب. في ذلك الصيف الكئيب، اجتمعت مجموعة من الأدباء على ضفاف بحيرة جنيف في سويسرا، محبوسين في الداخل بسبب الطقس العاصف الممطر. لتزجية الوقت، تحدّوا بعضهم لكتابة قصص أشباح. من رحم تلك الأمسيات المظلمة وُلدت رواية «فرانكنشتاين» للكاتبة ماري شيلي، إحدى أعظم روايات الرعب والخيال العلميّ في التاريخ. كما كُتبت في تلك الفترة قصّة ألهمت لاحقًا أدب مصّاصي الدماء.

ولم يقتصر الأثر على الأدب. يعتقد باحثون أن السماوات الملبّدة والغروب الغريب الألوان الناتجَين عن الغبار البركانيّ أثّرا في لوحات بعض الرسّامين في تلك الحقبة، الذين صوّروا سماوات ملتهبة أو كئيبة بشكل لافت. هكذا تسرّب البركان البعيد إلى ريشة الفنّان وقلم الأديب.

دروس من عام مظلم

يقدّم «العام الذي بلا صيف» درسًا علميًّا وإنسانيًّا في آن. علميًّا، يبيّن كيف أن نظام مناخ الأرض متّصل ومترابط: انفجار في إندونيسيا يجمّد حقلًا في كندا، ويرفع سعر الخبز في باريس. هذا الترابط نفسه هو ما يجعل العلماء اليوم يدرسون الغلاف الجوّيّ باعتباره منظومة واحدة لا تعرف الحدود.

وإنسانيًّا، يذكّرنا بهشاشة أمننا الغذائيّ أمام تقلّبات الطبيعة، وبأن حضاراتنا مهما تقدّمت تبقى معتمدة على شمس تشرق ومطر يعتدل وتربة تُنبت. لم يكن أهل 1816 يعرفون أن السبب بركان، فظنّوه غضبًا إلهيًّا أو نذير نهاية. أما نحن، بفضل العلم، فنعرف الآن السبب — وهذه المعرفة نفسها هي درعنا الأوّل ضدّ الخوف من المجهول.

هجرة الجوعى

لم يقف أثر البرد عند تلف المحاصيل؛ بل غيّر خريطة السكّان نفسها. في نيو إنغلاند، دفع فشل الزراعة موجة كبيرة من العائلات إلى ترك مزارعها المنهكة والاتّجاه غربًا نحو أراضٍ أكثر خصوبة في وسط أمريكا، فيما يعدّه المؤرّخون أحد محفّزات التوسّع الأمريكيّ غربًا. وفي أوروبا، اضطرّت عائلات إلى الرحيل من قراها بحثًا عن قوت، وارتفعت معدّلات التسوّل والتشرّد، واهتزّ النظام الاجتماعيّ في مناطق واسعة.

بهذا المعنى، لم يكن «العام الذي بلا صيف» حدثًا مناخيًّا عابرًا، بل زلزالًا اجتماعيًّا واقتصاديًّا امتدّت آثاره سنوات. إنه يذكّرنا بأن تغيّرًا مناخيًّا قصيرًا قد يعيد تشكيل مجتمعات بأكملها، ويدفع البشر إلى الهجرة والصراع على الموارد.

حين يقرأ العلم آثار الجليد

كيف نعرف اليوم بيقين أن تامبورا هو المسؤول؟ الجواب في العلم الحديث. حين يحفر العلماء أعمدة من الجليد القديم في غرينلاند والقطب الجنوبيّ، يجدون في طبقة عام 1816 تقريبًا كمّية مرتفعة من مركّبات الكبريت، وهي البصمة الكيميائية التي يتركها ثوران بركانيّ ضخم في الغلاف الجوّيّ. تتطابق هذه البصمة زمنيًّا مع ثوران تامبورا 1815، فتؤكّد الصلة السببية بين البركان والصيف البارد. هكذا يستطيع العلم أن يربط، بدقّة مذهلة، بين انفجار جبل في إندونيسيا وصقيع صيف في نيو إنغلاند بعد أكثر من قرنين. إنها شهادة على قدرة الأدلّة العلمية على حلّ ألغاز التاريخ التي حيّرت أصحابها في زمانهم. وهكذا يتحوّل لغز صيفٍ غامض إلى فصلٍ مفهوم في قصّة كوكبنا، بفضل قدرة العلم على قراءة ما خطّته الطبيعة في صمت.

المصادر

Encyclopaedia Britannica — مداخل «Mount Tambora» و«Year Without a Summer». U.S. Geological Survey (USGS) — مواد عن ثوران تامبورا 1815 والشتاء البركانيّ. Smithsonian Magazine — تقارير عن أثر تامبورا العالميّ. NASA / وكالات المناخ — دراسات عن التبريد البركانيّ للمناخ.

🌍
قسم القصص والتاريخ — معرفة · فريق تحرير متخصّص في معرفة

فريق تحرير مستقل يبحث في مصادر موثوقة ويراجع كل مقال قبل النشر لضمان الدقة والوضوح. المحتوى لأغراض تعليمية عامة.