أميرا البرج: اختفاء غامض في تاريخ إنجلترا
📷 Lajos Kristóf Kántor · Pexels✦ أهم النقاط
- الأميران إدوارد (12 عامًا) وريتشارد (9 أعوام) اختفيا من برج لندن عام 1483.
- أعلن عمّهما ريتشارد أنهما غير شرعيين، وتوّج نفسه الملك ريتشارد الثالث.
- المشتبه الرئيسي تاريخيًّا هو ريتشارد الثالث، لكن دوق باكنغهام وهنري السابع مرشّحان أيضًا.
- لم يُحسم مصيرهما قطعًا؛ عظام عُثر عليها عام 1674 لم تُفحص فحصًا حاسمًا.
في ربيع عام 1483، كان صبيّ في الثانية عشرة من عمره على وشك أن يُتوَّج ملكًا لإنجلترا. اسمه إدوارد، وريث العرش الشرعيّ. أُدخل مع أخيه الأصغر ريتشارد إلى برج لندن، حيث جرت العادة أن يقيم الملوك قبل تتويجهم. لكن التتويج لم يحدث قطّ. فبعد أسابيع، اختفى الصبيّان خلف أسوار البرج، ولم يُرَ لهما أثر بعد ذلك أبدًا.
هذا ليس لغزًا أسطوريًّا مبنيًّا على خرافة، بل واحدة من أكبر الجرائم الغامضة الموثّقة في التاريخ الملكيّ الإنجليزي. لدينا أسماء حقيقية، وتواريخ محدّدة، ومشتبهون أقوياء. لكن لا اعتراف قاطعًا ولا جثّتين مؤكّدتين. فماذا جرى للأميرين؟
لقطة أموالك (Money Snapshot)
شوف مكانك المالي في ثواني: قسمة 50/30/20 ونسبة ادّخارك وكام شهر طوارئ عندك — مجانًا.
كيف بدأت المأساة
حين مات الملك إدوارد الرابع فجأة في أبريل 1483، انتقل العرش إلى ابنه الأكبر، إدوارد، البالغ اثني عشر عامًا. ولأنه قاصر، عُيّن عمّه ريتشارد، دوق غلوستر، وصيًّا وحاميًا للمملكة. اعترض ريتشارد طريق موكب الأمير الصغير في طريقه إلى لندن، واعتقل من كانوا يرافقونه، ثم أخذه إلى برج لندن بحجة الإعداد للتتويج. وبعد فترة، أُلحِق به أخوه ريتشارد ذو التسعة أعوام.
ثم تسارعت الأحداث بصورة مريبة. أعلن مجلس من رجال الدين والنبلاء أن زواج إدوارد الرابع من والدة الصبيّين كان باطلًا، وأن الأميرين بالتالي غير شرعيّين لا يحقّ لهما العرش. وبناءً على ذلك، تُوّج العمّ ملكًا باسم ريتشارد الثالث في يوليو 1483. ومع صعوده، اختفى الصبيّان من الأنظار. شوهدا يلعبان في باحة البرج بعض الوقت، ثم قلّت المشاهدات، ثم انقطعت تمامًا.
المشتبهون
المشتبه الأول والأوضح هو ريتشارد الثالث نفسه. الدافع جليّ: ما دام الصبيّان حيَّين، يبقيان تهديدًا لشرعيّة عرشه، مركزًا محتملًا لأيّ تمرّد. وكانا في عهدته المباشرة داخل البرج الذي يسيطر عليه. هذا ما جعل معظم المؤرّخين المعاصرين للحادثة، ومن بعدهم، يوجّهون إليه الاتهام. وقد رسّخت هذه الرواية لاحقًا كتابات القرن السادس عشر، وبلغت ذروتها في مسرحية شكسبير التي صوّرت ريتشارد مسخًا سفّاحًا.
والمفارقة أن غياب الجثّتين، الذي يُفترض أن يُضعف أيّ اتهام، صار في هذه القضية سلاحًا ذا حدّين: فهو يمنع تبرئة أحد بيقين كما يمنع إدانته بيقين، ويترك الباب مفتوحًا أمام كل فرضية. لهذا ظلّت قضية الأميرين مادّةً لا تنضب للمؤرّخين والروائيين على حدّ سواء، كلٌّ يقرأ الصمت على هواه.
لكن للعدالة التاريخية، هناك مرشّحون آخرون. أحدهم هنري ستافورد، دوق باكنغهام، الحليف القويّ لريتشارد الذي انقلب عليه لاحقًا؛ فقد كان يتمتّع بنفوذ يخوّله الوصول إلى البرج، وربّما تصرّف لحسابه الخاصّ أو ليُحرج ريتشارد. والمرشّح الثالث هو هنري تيودور الذي أطاح بريتشارد وصار الملك هنري السابع عام 1485؛ فقد كان أيضًا مستفيدًا من زوال الصبيّين، لأنه تزوّج أختهما لتوطيد عرشه، وكان وجودهما حيَّين خطرًا على سلالته الجديدة. غير أن معظم الأدلّة الظرفية تشير إلى اختفائهما قبل وصول هنري إلى السلطة.
ماذا يقول الدليل؟
لا يوجد دليل مباشر قاطع يدين أيًّا من هؤلاء. لم يُعثر في زمانهم على جثّتين، ولم يصدر اعتراف موثوق. أشهر «اعتراف» جاء بعد سنوات، حين أُعدم رجل يُدعى جيمس تيريل في عهد هنري السابع، وقيل إنه اعترف بأنه رتّب قتل الصبيّين بأمر ريتشارد الثالث. لكن هذا الاعتراف المزعوم لم يُوثَّق بنصّه، وظهر في ظروف سياسية تخدم رواية هنري السابع، ما يجعله مشكوكًا فيه.
يضاف إلى ذلك أن أقدم الروايات التفصيلية عن مقتل الأميرين كُتبت بعد الحادثة بأكثر من عشرين عامًا، في عهد سلالة تيودور التي كان من مصلحتها إدانة ريتشارد. هذا لا يعني بالضرورة أنها كاذبة، لكنه يفرض على المؤرّخ الحذر: فالمسافة الزمنية والدافع السياسيّ يجعلان كل تفصيل موضع مراجعة، لا مسلّمةً تُبنى عليها الأحكام.
وفي عام 1674، أثناء أعمال في برج لندن، عُثر تحت درج على صندوق يحوي عظام طفلين. رأى كثيرون أنها عظام الأميرين، فدُفنت بأمر الملك في دير وستمنستر في مقبرة مخصّصة لهما. لكن هذه العظام لم تُفحص قطّ بأساليب علمية حاسمة تؤكّد هويّتها أو عمرها أو تاريخ وفاتها، ولا يُسمح اليوم بفتح المقبرة لفحصها بتقنيات الحمض النوويّ الحديثة. لذا تبقى مجرّد احتمال قويّ، لا يقين.
بين الحقيقة والدعاية
من الأمانة أن نفصل بين ما نعرفه وما رُسّخ لأسباب سياسية. صورة ريتشارد الثالث القاتل السفّاح صاغها إلى حدّ كبير خصومه من سلالة تيودور الحاكمة بعده، ثم خلّدها شكسبير فنيًّا. هذا لا يبرّئ ريتشارد، لكنه يذكّرنا أن «المنتصر يكتب التاريخ». في المقابل، يدافع بعض الباحثين والجمعيات عن ريتشارد، مشيرين إلى غياب الدليل القاطع واحتمال تورّط غيره. الحقيقة المتوازنة أن ريتشارد يظلّ المشتبه الأقوى منطقيًّا، دون أن تُغلق القضية تمامًا.
ويذهب بعض الباحثين إلى أن الأميرين قد لا يكونا قُتلا معًا ولا في اللحظة نفسها، وأن أحدهما ربّما نُقل سرًّا أو قضى مرضًا، وهو ما قد يفسّر تضارب الشهادات وغياب أيّ إعلان رسميّ عن وفاتهما. غير أن هذه الاحتمالات تبقى تخمينًا لا يسنده دليل مادّيّ، شأنها شأن التفسير الأكثر قتامة.
وما زاد الغموض أن مدّعِين ظهروا لاحقًا زاعمين أنهم أحد الأميرين نجا من القتل، أبرزهم بيركين واربيك الذي ادّعى أنه ريتشارد الأصغر، وأثار تمرّدًا ضدّ هنري السابع قبل أن يُعدَم. هذه الادّعاءات، وإن كانت على الأرجح انتحالًا، تكشف كم بقيت مسألة مصير الأميرين جرحًا سياسيًّا مفتوحًا لعقود.
بل إن بعض هؤلاء المدّعين حظي بدعم بلاطات أوروبية وجيوش أجنبية، ما أرغم هنري السابع على خوض مواجهات حقيقية لإثبات زوالهما، وكأنّ شبح الأميرين ظلّ يطارد عرشه سنوات طويلة بعد اختفائهما.
لغز بلا خاتمة
بعد أكثر من خمسة قرون، تظلّ قضية أميري البرج مفتوحة، لغزًا حقيقيًّا لا خرافة. نعرف أن صبيّين حقيقيّين، وريثين شرعيّين للعرش، دخلا برج لندن عام 1483 ولم يخرجا. نعرف من استفاد من غيابهما. لكننا لا نملك الدليل الأخير الذي يحسم من أمر بقتلهما ومتى. ولعلّ هذا ما يجعل القصة خالدة: ليست مجرّد جريمة قديمة، بل مرآة لكيف تُصنع السلطة أحيانًا على حساب الأبرياء، وكيف يمكن للتاريخ أن يحتفظ بأسراره حتى حين نظنّ أننا نعرف كل شيء.
المصادر
Encyclopaedia Britannica — «Princes in the Tower» و«Richard III». BBC History — تحقيقات حول اختفاء الأميرين. History.com — مقالات عن قضية أميري البرج. Historic Royal Palaces / Westminster Abbey — معلومات حول برج لندن وعظام 1674.