غرائب وحكايات

رجل سومرتون: جثة مجهولة وشفرة غامضة… وحلٌّ بعد سبعين عامًا

رجل سومرتون: جثة مجهولة وشفرة غامضة… وحلٌّ بعد سبعين عامًا📷 Juan Solis · Pexels

✦ أهم النقاط

  • في ديسمبر 1948 عُثر على رجل ميت أنيق الملبس على شاطئ سومرتون بأستراليا، دون أيّ وثيقة تعريف.
  • خُيطت في جيبه قصاصة كُتب عليها «تمام شد» (انتهى)، مقطوعة من كتاب شعر فارسيّ، مع شفرة حروف لم تُفكّ.
  • لعقود تغذّت حوله نظريات جواسيس الحرب الباردة والسمّ الغامض، لكن أغلبها بلا دليل قاطع.
  • في 2022 رجّح باحثون عبر الحمض النووي وشجرة الأنساب أنه تشارلز ويب، مهندس كهرباء أسترالي مغمور.

في صباح الأوّل من ديسمبر عام 1948، لفت انتباه المارّة على شاطئ سومرتون قرب مدينة أديلايد الأسترالية رجلٌ مستلقٍ على الرمل، مسنِدًا رأسه إلى جدار حجريّ، ساقاه ممدودتان بأناقة كأنه غفا للتوّ. لكنه لم يكن نائمًا. كان ميتًا. بدا في نحو الأربعين، أنيق الهندام في بذلة مكويّة، حليق الوجه، في صحّة ظاهرة. ومع ذلك لم يكن يحمل أيّ شيء يخبرنا من هو: لا محفظة، ولا بطاقة، ولا حتى بطاقات أسماء الشركات المصنّعة على ثيابه — فقد نُزعت جميعها بعناية. هكذا بدأ أحد أكثر ألغاز القرن العشرين إحكامًا.

رجلٌ بلا اسم

بدأت الشرطة تحقيقًا واسعًا. التشريح كشف صورة محيّرة: احتقان في الأعضاء الداخلية يشير إلى تسمّم محتمل، لكن لم يُعثر على أيّ سمّ معروف في جسده رغم الفحوص. لم تُساعد بصماته ولا صور وجهه في التعرّف عليه؛ فلم يطابق أيّ سجلّ. عُرضت جثّته وقُدّمت مكافآت، ووردت بلاغات كثيرة تدّعي معرفته، لكن جميعها انهارت أمام الفحص. رجلٌ كامل الملامح، تامّ الملبس، غائبٌ تمامًا عن سجلّات العالم.

لقطة أموالك (Money Snapshot)

شوف مكانك المالي في ثواني: قسمة 50/30/20 ونسبة ادّخارك وكام شهر طوارئ عندك — مجانًا.

اعرف أكثر · $0

ثم جاء الاكتشاف الذي حوّل قضية وفاة غامضة إلى لغز عالميّ: في جيبٍ صغير مخفيّ ضمن سرواله، وجد المحقّقون قصاصة ورق ملفوفة بإحكام كُتب عليها بالفارسية عبارتان: «تمام شد»، أي «انتهى» أو «تمّ». كانت هذه العبارة هي الكلمتين الأخيرتين في ديوان الشاعر الفارسيّ عمر الخيّام، «الرباعيات».

الكتاب والشفرة

أطلقت الشرطة نداءً عامًّا، فتقدّم رجل قال إنه وجد نسخة نادرة من «رباعيات الخيّام» ملقاةً في سيّارته المفتوحة قرب الشاطئ في تلك الفترة. وبمطابقة القصاصة بالكتاب، اتّضح أنها اقتُطعت من الصفحة الأخيرة لتلك النسخة بالذات. لكن الكتاب حمل مفاجأة أكبر: على غلافه الخلفيّ خُطّت بخفوت مجموعة من الحروف اللاتينية تبدو كأنها شفرة سرّية، أسطر متقطّعة من أحرف كبيرة لا تكوّن كلمات مفهومة.

ومن المهمّ أن نفهم كيف تتضخّم الألغاز مع الوقت: كلّ تفصيل غامض في هذه القضية جرى تكراره وتحليله وإعادة تأويله آلاف المرّات عبر عقود، حتى بدت التفاصيل مترابطة في نسيج مؤامرة واحدة محكمة. لكن الترابط الظاهريّ ليس دليلًا على مؤامرة؛ فالعقل البشريّ بارع في رسم خطوط بين نقاط متفرّقة لا رابط حقيقيًّا بينها. حين نفكّك القضية إلى عناصرها المنفصلة، يفقد كلّ عنصر منها هالته الخارقة ويعود إلى حجمه الطبيعيّ.

انكبّ خبراء التعمية، بمن فيهم مختصّون عسكريون، على تلك الأسطر لعقود. جرّبوا كلّ طريقة: مفاتيح استبدال، شفرات كتب، تحليل تردّد الحروف. النتيجة؟ لا حلّ مقنعًا. يرجّح كثير من الباحثين اليوم أن تلك الحروف ليست شفرة معقّدة أصلًا، بل ربّما الأحرف الأولى من كلمات جملة شخصية، أو مجرّد خربشة عابرة — أي أن جزءًا من «الشفرة» قد يكون سرابًا صنعناه نحن.

هل كان جاسوسًا؟

لأن الحادثة وقعت في فجر الحرب الباردة، وفي بلد فيه منشآت اختبار صواريخ سرّية، وُلدت أشهر النظريات: أن رجل سومرتون كان جاسوسًا قُتل بسمٍّ لا يُكتشف. غذّى هذه الفكرة غياب هويّته، ونزع بطاقات ثيابه، والشفرة الغامضة، ورقم هاتف امرأة قريبة عُثر عليه مكتوبًا في الكتاب. بدت كلّ عناصر رواية تجسّس مكتملة.

لكن دعنا نفصل الإثارة عن الدليل. لا يوجد أيّ مستند استخباراتيّ مؤكّد يربطه بأيّ جهاز تجسّس. «السمّ الذي لا يُكتشف» فرضية غير مثبتة؛ فغياب أثر السمّ قد يعني ببساطة أنه مات لسبب آخر، أو أن أدوات التحليل عام 1948 كانت أضعف من أن ترصد ما يمكن رصده اليوم. النظريات الأكثر إثارة كانت دائمًا الأفقر دليلًا؛ وهذا نمط سنراه في كلّ لغز.

كيف يُحلّ لغزٌ عمره سبعون عامًا؟

المفتاح لم يكن شفرة ولا رواية تجسّس، بل العلم الحديث. قاد الأستاذ الأسترالي ديريك أبوت، من جامعة أديلايد، حملة سنوات لإقناع السلطات بنبش الجثمان واستخراج حمضه النووي. وفي 2021 استُخرجت رفاته أخيرًا. ثم دخل ميدانٌ جديد اسمه علم الأنساب الجينيّ الجنائيّ: تُقارَن عيّنة الحمض النووي بقواعد بيانات ضخمة لأنساب الناس، فتُبنى شجرة عائلية تقود من قريبٍ بعيد إلى الاسم المفقود.

في يوليو 2022، أعلن أبوت وزميلته المختصّة في الأنساب كوليين فيتزباتريك أنهما توصّلا إلى ترجيحٍ قويّ لهويّة الرجل: اسمه على الأرجح تشارلز ويب، مهندس ومصنّع أدوات كهربائية وُلد في ملبورن عام 1905. لم يكن جاسوسًا ولا شخصية أسطورية، بل رجلًا حقيقيًّا انفصل عن زوجته وانقطعت أخباره، ولم يبلّغ أحدٌ عن غيابه بطريقة ربطته بجثّة الشاطئ. لاحظ أنّ السلطات الرسمية لم تعتمد هذا التعريف رسميًّا بشكل قاطع بعد، لكنه أقوى تفسير مدعوم بالأدلّة حتى الآن.

أسئلة تبقى معلّقة

هل حُلّ اللغز كلّه؟ الاسم على الأرجح نعم، لكن الحكاية تحتفظ ببعض ظلالها. كيف مات؟ يبقى سبب الوفاة غير محسوم؛ التسمّم احتمال قائم، والانتحار احتمال آخر يتّسق مع عبارة «تمام شد — انتهى» ككلمة وداع. وما الشفرة؟ ما زالت بلا تفسير مؤكّد، والراجح أنها ليست رسالة سرّية عظيمة بل أثرٌ شخصيّ لن نفكّ رموزه أبدًا. ورقم الهاتف؟ ربطه بامرأة من ماضيه لا يستلزم مؤامرة، بل قد يكون علاقة إنسانية عاديّة انطوت عليها حياته.

الدرس هنا لطيف: ليس كلّ خيط غامض عقدةً في مؤامرة كبرى. أحيانًا تكون التفاصيل المحيّرة مجرّد بقايا حياةٍ خاصّة، معقّدة وحزينة، لرجلٍ عاديّ اختار — أو اضطرّ — أن يمحو أثره.

لماذا أسرنا هذا اللغز؟

قضية رجل سومرتون تجمع كلّ ما يشدّ الإنسان: جثة أنيقة بلا اسم، كلمات فارسية غامضة، شفرة مستعصية، وخلفية حرب باردة. إنها تشبه رواية بوليسية كتبها القدر نفسه. لكن جمالها الحقيقيّ يظهر حين ننظر إليها بعين الباحث: قصّة انتصر فيها الصبر العلميّ على الغموض، وأثبتت أن الحمض النووي قادر على انتزاع اسمٍ من قبضة النسيان بعد سبعين عامًا.

ولعلّ أعمق ما في الحكاية أنها تذكّرنا بأن وراء كلّ «لغز» إنسانًا حقيقيًّا، له أمّ وحبّ وخيبة. تشارلز ويب لم يكن أحجية؛ كان رجلًا انتهت قصّته على رملة باردة، ثم أعاده العلم — لا الخرافة — إلى دائرة الأسماء. وربّما هذا أصدق معنى لعبارة «تمام شد»: ليس أن كلّ شيء انتهى، بل أن حكايةً طويلة وجدت أخيرًا خاتمتها.

المصادر

University of Adelaide — أبحاث الأستاذ Derek Abbott حول رجل سومرتون. BBC News و ABC News (Australia) — تغطية إعلان هوية 2022. Encyclopaedia Britannica / موسوعات مرجعية — مادّة «Tamam Shud case». أعمال عالمة الأنساب الجينية Colleen Fitzpatrick.

🌍
قسم القصص والتاريخ — معرفة · فريق تحرير متخصّص في معرفة

فريق تحرير مستقل يبحث في مصادر موثوقة ويراجع كل مقال قبل النشر لضمان الدقة والوضوح. المحتوى لأغراض تعليمية عامة.