لغز دي بي كوبر: اختطف طائرة وقفز بالمظلّة واختفى للأبد
📷 Russ Jani · Pexels✦ أهم النقاط
- عام 1971 اختطف رجل عُرف بـ«دي بي كوبر» طائرة ركّاب أمريكية.
- حصل على فدية 200 ألف دولار ومظلّات، ثم قفز من الطائرة فوق غابات نائية.
- لم يُعثر عليه ولا على معظم المال قط، وبقيت هويّته لغزًا.
- القضية الوحيدة من نوعها التي لم تُحلّ في تاريخ الطيران الأمريكيّ.
في يوم عاصف من نوفمبر عام 1971، صعد رجل أنيق هادئ الملامح إلى طائرة ركّاب أمريكية، طلب كأس ويسكي، وبدا كأيّ مسافر عاديّ. لكن هذا الرجل، الذي عُرف لاحقًا باسم «دي بي كوبر»، كان على وشك تنفيذ واحدة من أجرأ الجرائم وأكثرها غموضًا في التاريخ — جريمة ستحيّر مكتب التحقيقات الفيدراليّ لعقود، وتبقى حتى اليوم دون حلّ.
كيف جرت العملية؟
بعد الإقلاع، ناول كوبر مضيفةً ورقة مكتوبًا فيها أن معه قنبلة. بهدوء لافت، طلب فديةً قدرها 200 ألف دولار وأربع مظلّات، مهدّدًا بتفجير الطائرة. هبطت الطائرة، وأُطلق الركّاب مقابل استلامه المال والمظلّات، ثم أمر الطاقم بالإقلاع مجدّدًا نحو وجهة بعيدة على ارتفاع منخفض. لم يكن يعامل أحدًا بعنف؛ وصفه الشهود بالمهذّب الهادئ — ما زاد لاحقًا من غرابة القصّة.
لقطة أموالك (Money Snapshot)
شوف مكانك المالي في ثواني: قسمة 50/30/20 ونسبة ادّخارك وكام شهر طوارئ عندك — مجانًا.
القفزة إلى المجهول
في مكان ما فوق غابات كثيفة نائية، وفي ظلام الليل والمطر، فتح كوبر باب الطائرة الخلفيّ وقفز حاملًا حقيبة المال، مرتديًا مظلّته. اختفى في تلك اللحظة إلى الأبد. لم يره أحد بعدها قط، ولم يُعرف إن كان قد نجا من القفزة المحفوفة بالمخاطر في تلك الظروف القاسية أم لقي حتفه. في لحظة واحدة، تحوّل من مختطِف إلى أسطورة.
بحث لم ينتهِ
أطلق مكتب التحقيقات الفيدراليّ واحدة من أطول عمليّات البحث في تاريخه، فحصت آلاف المشتبهين وتتبّعت أرقام الأوراق النقديّة المسلّمة. لكن دون جدوى تقريبًا؛ فلم يظهر كوبر ولا معظم المال. المفاجأة الوحيدة جاءت بعد سنوات حين عثر طفل على حزمة من الأوراق النقديّة المتحلّلة على ضفّة نهر تطابق أرقامها الفدية — دليل وحيد أثار أسئلة أكثر ممّا أجاب. أُغلقت القضيّة رسميًّا دون حلّ.
الأدلّة القليلة التي تركها خلفه
لم يترك كوبر وراءه إلا نتفًا قليلة أثارت الشغف أكثر ممّا أجابت. أبرزها ربطة عنقه التي خلعها قبل القفز وتركها على المقعد، فصارت لاحقًا مصدرًا لتحليلات علمية دقيقة بحثت في ذرّات معدنية عالقة بها لعلّها تكشف مهنته أو المكان الذي عاش فيه. كما بقيت أوصاف مضيفات الطائرة التي رسمت صورة رجل هادئ مهذّب في الأربعينيات من عمره، يرتدي بدلة أنيقة ويدخّن بثبات. لم تُلتقط بصمات واضحة مفيدة، ولا عُثر على جثّة، ولا حتى على المظلّة. هذه الندرة في الأدلّة هي بالضبط ما حوّل القضية إلى لغز حقيقيّ: ما يكفي من التفاصيل ليشعل الخيال، ولا يكفي أبدًا ليغلق الباب على إجابة نهائية مريحة.
المال الذي ظهر فجأة على ضفّة النهر
بقيت القضية شبه جامدة حتى عام 1980، حين وقعت المفاجأة الوحيدة الملموسة. كان صبيّ صغير يلعب على ضفّة نهر كولومبيا في منطقة تُعرف بـتينا بار، حين عثر تحت الرمل على حزمة من الأوراق النقدية المتهالكة. تبيّن بعد فحص الأرقام التسلسلية أنها جزء من فدية كوبر نفسها، نحو ستّة آلاف دولار من أصل المبلغ المفقود. أشعل هذا الاكتشاف موجة أمل جديدة، لكنه أضاف ألغازًا بدل أن يحلّها: كيف وصل المال إلى هناك؟ وأين بقيّته؟ حاول الخبراء تفسير كيف حملته المياه، لكن لا نظرية أقنعت الجميع. ظلّت تلك الحزمة البالية الدليل المادّي الوحيد الذي لمسته أيدي المحقّقين طوال عقود من البحث المضني.
المشتبه بهم عبر السنين
على مدى عقود، توالت أسماء عشرات المشتبه بهم، كلٌّ منها يحمل قصّة تكاد تقنع ثم تنهار عند التدقيق. بعضهم اعترف قبل موته بأنه كوبر، وبعضهم أشار إليه أقاربه بعد رحيله ظنًّا منهم أن التفاصيل تنطبق. من أشهرهم رجل تطابق وصفه إلى حدّ مثير، لكن تحليل الأدلّة لم يربطه بشكل قاطع. المشكلة أن كل مشتبه به كان تنقصه القطعة الأخيرة الحاسمة: دليل مادّيّ لا يقبل الشكّ. ومع مرور السنين ورحيل معظم من عاصروا الحادثة، صار إثبات أيّ اسم أصعب فأصعب. هذا الطابور الطويل من المرشّحين المحتملين، دون فائز مؤكّد، جعل القضية أشبه بلوحة يراها كل ناظر بشكل مختلف، ولا يتّفق اثنان على وجهها الحقيقيّ.
هل نجا أم ابتلعته الغابة؟
تنقسم النظريات حول مصير كوبر إلى معسكرين. يرى الأوّل أنه مات في تلك الليلة؛ فالقفز من طائرة في ظلام دامس ومطر وبرد قارس فوق غابات وعرة، دون خبرة واضحة، مغامرة كادت تكون انتحارية، وربما ابتلعه نهر أو وادٍ ولم يُعثر عليه قطّ. أمّا المعسكر الثاني فيصرّ على أنه نجا واختفى بهدوء، عائدًا إلى حياة عادية بينما تبحث عنه أجهزة الدولة. أنصار هذا الرأي يرون في اختفاء الجثّة والمظلّة دليل نجاح، بينما يرى الآخرون فيه دليل ضياع في البرّية. كلا الاحتمالين ممكن، ولا شيء يرجّح أحدهما قطعًا. وهذا التوازن الدقيق بين النجاة والهلاك هو ما يمنح القصّة توترها الذي لا يهدأ.
لماذا أغلق المكتب الفيدراليّ الملفّ؟
في عام 2016، وبعد خمسة وأربعين عامًا من البحث المتواصل، اتّخذ مكتب التحقيقات الفيدراليّ قرارًا لافتًا: إغلاق التحقيق رسميًّا. لم يكن الإعلان اعترافًا بالهزيمة بقدر ما كان قرارًا عمليًّا؛ فالموارد الهائلة التي التهمتها القضية عبر العقود صار من الأجدى توجيهها إلى جرائم حديثة تمسّ حياة الناس اليوم. لكن الملفّ لم يُدفن تمامًا، إذ أبقى المكتب بابًا موارَبًا لتلقّي أيّ دليل مادّيّ حقيقيّ جديد، كالمظلّة أو بقيّة المال. الإغلاق لم يُطفئ فضول العالم، بل زاده اشتعالًا: فأن تعجز أقوى أجهزة التحقيق عن حسم قضية واحدة طوال نصف قرن، تحوّل من فشل عاديّ إلى وسام غموض نادر يزيّن أسطورة الرجل الذي قفز واختفى.
لماذا صار كوبر أسطورة؟
قصّة كوبر أسرت الخيال الشعبيّ لأنها تجمع عناصر نادرة: جرأة، وذكاء، ونهاية مفتوحة. لم يؤذِ أحدًا، وبدا كأنه نفّذ خطّة مستحيلة ثم تبخّر في الهواء. صار رمزًا غامضًا في الثقافة الأمريكيّة، تنسج حوله النظريّات: هل نجا وعاش بهويّة جديدة؟ أم ابتلعته الغابة في تلك الليلة؟ غياب الجواب هو ما يبقي الأسطورة حيّة.