لماذا تتلألأ النجوم؟
📷 Sindre Fs · Pexels✦ أهم النقاط
- التلألؤ يحدث في غلافنا الجوي لا في النجم؛ خارج الغلاف تبدو النجوم ثابتة.
- طبقات الهواء المختلفة الحرارة تكسر ضوء النجم وتحرّكه فيبدو وامضًا.
- الكواكب لا تتلألأ لأنّها أقراص صغيرة قريبة لا نقاط، فتُلغى الاضطرابات في مساحتها.
- التلألؤ يزداد قرب الأفق حيث يعبر الضوء طبقة هواء أسمك وأكثر اضطرابًا.
غنّت الأغنيات للنجمة الوامضة، ورسمها الأطفال بخطوط شعاعية تخرج منها كأنّها ترتجف. لكنّ الحقيقة التي قد تفاجئك أنّ النجم نفسه لا يرتجف ولا يومض إطلاقًا. النجم مصباح ثابت هادئ في الفضاء، وما نراه من تلألؤ لا يحدث هناك على بُعد سنوات ضوئية، بل يحدث هنا تمامًا فوق رؤوسنا، في الطبقات الرقيقة من الهواء المحيط بكوكبنا.
دعني أصحبك في تتبّع رحلة شعاع نجمي واحد، من لحظة انطلاقه قبل مئات السنين حتى يصل إلى شبكية عينك، لنكتشف في أي نقطة بالضبط يبدأ ذلك الوميض الساحر، ولماذا يميّز النجوم دون الكواكب.
مخطّط الميزانية الشخصية
خطّط دخلك ومصروفاتك واعرف نسبة ادّخارك — برسوم حيّة.
رحلة الضوء عبر بحر الهواء
يقطع ضوء النجم مسافات هائلة عبر الفضاء الفارغ في خطّ مستقيم تمامًا دون أي اضطراب. يظلّ ثابتًا مستقرًّا طوال رحلته الطويلة، حتى اللحظة الأخيرة حين يصطدم بالغلاف الجوي للأرض. هنا فقط، في آخر بضع عشرات من الكيلومترات، تبدأ المتاعب.
غلافنا الجوي ليس وسطًا متجانسًا هادئًا، بل بحر متحرّك من طبقات هواء تختلف في حرارتها وكثافتها وضغطها. الهواء الساخن أقلّ كثافة من البارد، وكل طبقة تكسر الضوء بزاوية مختلفة قليلًا، تمامًا كما ينكسر القلم حين تغمسه في كوب ماء. وحين تتحرّك هذه الطبقات وتتماوج باستمرار، ينحني مسار شعاع النجم يمنة ويسرة في كل لحظة.
النتيجة أنّ الشعاع الذي كان يصل إلى بؤبؤ عينك يقفز قليلًا بعيدًا ثم يعود، ويتغيّر سطوعه صعودًا وهبوطًا في أجزاء من الثانية. عينك تترجم هذا الرقص السريع إلى وميض متلألئ. هذا ما يسمّيه الفلكيون «الرؤية الفلكية» أو اضطراب الغلاف الجوي، وهو العدو الأول لوضوح الصور الفلكية من الأرض.
لماذا لا تتلألأ الكواكب؟
هنا يأتي أجمل جزء في القصّة وأقواه دليلًا. انظر إلى السماء ذات ليلة وستلاحظ أنّ بعض النقاط الساطعة تتلألأ بعنف بينما نقاط أخرى تتوهّج بثبات هادئ. تلك الثابتة على الأرجح كواكب كالمشتري والزهرة والمريخ، لا نجوم. فلماذا هذا الفرق؟
السبب في المسافة والحجم الظاهري. النجوم بعيدة جدًا لدرجة أنّها تبدو لنا نقاطًا ضوئية متناهية الصغر، أشبه بمصدر ضوء واحد لا أبعاد له. حين يضطرب الهواء أمام هذه النقطة الوحيدة، ينحرف شعاعها كله دفعة واحدة، فنرى وميضًا واضحًا.
أمّا الكواكب فقريبة نسبيًا، لذا تبدو في الحقيقة أقراصًا صغيرة لها مساحة، وإن كانت أصغر من أن تميّزها العين المجرّدة بوضوح. هذا القرص يتكوّن من عدد كبير من النقاط الضوئية المتجاورة، وكل نقطة تتلألأ بشكل مستقلّ في لحظة مختلفة. حين تجمع عينك ضوء كل هذه النقاط معًا، تُلغي اهتزازاتها بعضها بعضًا في المتوسط، فيبدو الكوكب ثابت الضياء. إنّها الفكرة نفسها التي تجعل ضجيج جمهور كامل أكثر انتظامًا من صوت شخص واحد.
ولماذا تشتدّ عند الأفق؟
جرّب أن ترصد نجمًا قريبًا من خطّ الأفق ثم قارنه بنجم في كبد السماء؛ ستلاحظ أنّ النجم المنخفض يتلألأ بعنف أكبر بكثير، بل قد يومض بألوان متغيّرة بين الأحمر والأزرق. السبب أنّ ضوءه يعبر طبقة أسمك بكثير من الغلاف الجوي حين ينظر أفقيًا، فيمرّ بكمّية أكبر من الهواء المضطرب مقارنةً بالنظر مباشرة إلى الأعلى.
وهذه الطبقة السميكة لا تكسر الضوء وتحرّكه فحسب، بل تفرّق ألوانه أيضًا كما يفعل المنشور، فيتبعثر اللون الأزرق أكثر ويظهر النجم أحيانًا بومضات ملوّنة سريعة. نجم الشِّعرى اليمانية، ألمع نجوم سمائنا الليلية، مشهور بهذا الاستعراض اللوني حين يكون منخفضًا قرب الأفق، حتى ظنّه بعضهم جسمًا طائرًا غريبًا.
علامة عمليّة تحت السماء
لهذا الفارق فائدة عملية جميلة يعرفها هواة الفلك: إن أردت أن تعرف بسرعة هل النقطة الساطعة التي تراها نجم أم كوكب، فراقب ثباتها. النجم يرمش ويهتزّ، أمّا الكوكب فيتوهّج بضوء ثابت هادئ كأنّه قنديل معلّق. هذه القاعدة البسيطة كانت معروفة منذ آلاف السنين، وقد ساعدت الحضارات القديمة على تمييز الكواكب «المتجوّلة» عن النجوم «الثابتة» قبل اختراع التلسكوب بزمن طويل.
وشدّة التلألؤ نفسها تحمل معلومة مفيدة: في الليالي التي ترى فيها النجوم ترمش بعنف شديد، يكون الغلاف الجوي مضطربًا جدًا، وهي ليلة رديئة للرصد بالتلسكوب مهما كانت السماء صافية. أمّا حين تبدو النجوم هادئة شبه ثابتة، فتلك ليلة «رؤية ممتازة» يتمنّاها كل فلكي، لأنّ صور الكواكب والأجرام الدقيقة تخرج فيها حادّة واضحة.
ليس كلّ وميض سواء
لعلّك لاحظت أنّ التلألؤ يشتدّ في ليلة ويكاد يختفي في أخرى، رغم أنّ النجوم هي نفسها. السبب أنّ حالة الغلاف الجوي تتغيّر من ساعة إلى ساعة: مرور جبهة هوائية باردة، أو تيّار نفّاث سريع في طبقات الجوّ العليا، أو تفاوت كبير في الحرارة قرب سطح الأرض، كلّ ذلك يزيد اضطراب الهواء ويجعل الرمش أعنف. حتى الحرارة المتصاعدة من أسطح المباني والطرق في المدن تسهم في تشويش الضوء وزيادة التلألؤ فوق رؤوس سكّانها.
وهذا يفسّر تجربة قد تكون عشتها: نجمٌ يبدو هادئًا مستقرًّا في أول الليل، ثم يأخذ في الرمش بعنف مع تقدّم الساعات حين يقترب من الأفق أو حين تتبدّل أحوال الطقس. لم يتغيّر النجم قيد أنملة؛ تغيّر فقط سُمك الهواء ودرجة اضطرابه بين عينك وبينه.
كيف يهزم الفلكيون التلألؤ؟
بما أنّ التلألؤ عدوّ لدقّة الرصد، طوّر العلماء حيلًا بارعة للتغلّب عليه. أولها بناء المراصد الكبرى فوق قمم الجبال العالية وفي الصحاري، حيث يكون الهواء أرقّ وأكثر استقرارًا واضطرابه أقل. لكنّ الحلّ الأذكى هو تقنية «البصريات التكيّفية»، حيث يقيس التلسكوب اهتزاز ضوء نجم مرجعي مئات المرّات في الثانية، ثم يشوّه مرآة مرنة بالمقدار المعاكس تمامًا ليلغي أثر الاضطراب لحظيًا فتعود الصورة حادّة.
أمّا الحلّ الجذري النهائي فهو الهروب من الغلاف الجوي كليًا. لهذا تُلتقط أوضح الصور الكونية من تلسكوبات فضائية كهابل وجيمس ويب، المحلّقة فوق طبقات الهواء كلها. هناك، في الفضاء الساكن، لا تتلألأ النجوم أبدًا، بل تتوهّج نقاطًا ثابتة حادّة كما هي حقيقةً. تذكّر إذن في المرّة القادمة التي ترى فيها نجمة وامضة: أنت لا ترى النجم يرتجف، بل ترى هواء كوكبك يتنفّس.
خرافة يجدر تصحيحها
يظنّ كثيرون أنّ لون النجم الوامض أو شدّة تلألئه صفة تخبرنا بشيء عن طبيعة النجم نفسه، كأن يكون على وشك الانفجار أو أنّه ينبض. هذا غير صحيح؛ فالتلألؤ الذي نراه بالعين المجرّدة أثرٌ جوّي محضٌ من صنع هوائنا نحن، لا خاصية في النجم. صحيح أنّ بعض النجوم متغيّرة السطوع فعلًا لأسباب فيزيائية داخلية، لكنّ تغيّرها بطيء يُقاس بالساعات والأيام، لا ذلك الرمش السريع الذي تراه في ثوانٍ. تلك الومضة السريعة هي دائمًا بصمة غلافنا الجوي وحده.
المصادر
الإدارة الوطنية للطيران والفضاء (NASA) — مواد عن الرؤية الفلكية والبصريات التكيّفية. موسوعة بريتانيكا (Britannica) — مادّتا «Twinkling» و«Astronomical seeing». وكالة الفضاء الأوروبية (ESA). ناشيونال جيوغرافيك (National Geographic).