الفرق بين كسوف الشمس وخسوف القمر
📷 melissa mayes · Pexels✦ أهم النقاط
- كسوف الشمس يحدث نهارًا حين يمرّ القمر بين الأرض والشمس فيحجب ضوءها.
- خسوف القمر يحدث ليلًا حين تقع الأرض بين الشمس والقمر فيسقط ظلّها عليه.
- الكسوف يُرى من شريط ضيّق على الأرض، بينما يُرى الخسوف من نصف الكوكب كله.
- النظر إلى الكسوف يتطلّب حماية للعين، أمّا الخسوف فآمن للمشاهدة تمامًا.
الكلمتان تتشابهان في اللفظ حتى إنّ كثيرًا من الناس يستخدمهما بالتبادل: كسوف وخسوف. لكن بين الظاهرتين فرقٌ جوهري يمكن تلخيصه في سؤال واحد: من الذي يقف في المنتصف؟ إذا كان القمر في المنتصف بيننا وبين الشمس، فذلك كسوف. وإذا كانت الأرض في المنتصف بين الشمس والقمر، فذلك خسوف. كل ما تبقّى من تفاصيل مذهلة يتفرّع من هذه الفكرة البسيطة.
دعني آخذك في جولة صغيرة عبر الفضاء لنرى كيف تصطفّ هذه الأجرام الثلاثة، ولماذا لا يحدث ذلك في كل شهر رغم أنّ القمر يدور حولنا مرّة كل نحو تسعة وعشرين يومًا. الحكاية كلها حكاية ظلال وزوايا وميل بسيط في المدار.
مخطّط الميزانية الشخصية
خطّط دخلك ومصروفاتك واعرف نسبة ادّخارك — برسوم حيّة.
الكسوف: حين يعترض القمر الشمس
يحدث كسوف الشمس في النهار، وتحديدًا في طور المحاق حين يكون القمر بين الأرض والشمس. القمر جرم معتم لا يضيء بذاته، فحين يمرّ أمام قرص الشمس يحجب ضوءها عن جزء من الأرض ويُلقي ظلّه على سطح كوكبنا. من يقع داخل هذا الظلّ يرى الشمس وقد اقتُطعت أو غابت تمامًا في وضح النهار.
المدهش في الكسوف الكلّي مصادفةٌ كونية نادرة: قطر الشمس أكبر من قطر القمر بنحو أربعمئة مرّة، لكنّ الشمس أبعد عنّا بنحو أربعمئة مرّة أيضًا. هذا التوازن العجيب يجعل القرصين يبدوان بالحجم نفسه تقريبًا في سمائنا، فيستطيع القمر الصغير أن يحجب الشمس العملاقة حجبًا مثاليًا، كاشفًا عن هالتها الخارجية المتوهّجة التي تُعرف بالإكليل.
لكن ظلّ القمر صغير حين يصل إلى الأرض، فلا يغطّي إلا شريطًا ضيّقًا لا يتجاوز عرضه بضع مئات من الكيلومترات، يُسمّى «مسار الكلّية». من يقف خارج هذا الشريط يرى كسوفًا جزئيًا فقط، أي عضّة من نور الشمس. لهذا السبب يسافر عشّاق الفلك آلاف الكيلومترات كي يقفوا داخل ذلك الشريط النادر ولو لدقائق معدودة.
الخسوف: حين تحجب الأرض الضوء عن القمر
أمّا خسوف القمر فيحدث ليلًا وفي طور البدر، حين تقع الأرض بين الشمس والقمر. هنا يكون كوكبنا هو من يُلقي ظلّه الضخم على القمر، فيحرمه من ضوء الشمس الذي يعكسه إلينا عادةً. ولأنّ الأرض أكبر بكثير من القمر، فإنّ ظلّها واسع يبتلع القمر بأكمله ويبقى مغمورًا فيه لمدّة قد تصل إلى ساعة أو أكثر.
الفرق البصري الأهم أنّ الخسوف لا يُظلم القمر تمامًا بل يصبغه بلون نحاسي أحمر، لأنّ غلاف الأرض الجوي يكسر ضوء الشمس ويمرّر منه الأحمر إلى داخل الظلّ. أمّا الكسوف فيسرق الضوء سرقةً مباشرة دون أي احمرار. وهذه إحدى أوضح العلامات التي تميّز الظاهرتين بمجرّد النظر.
وبما أنّ الخسوف يحدث حين يكون القمر مضيئًا فوق نصف الكرة الليلي بأكمله، فإنّ كل من يقف في الجهة الليلية من الأرض ويرفع رأسه سيرى الخسوف نفسه في اللحظة نفسها. هذا خلاف الكسوف المحصور في شريط ضيّق، وهو سبب جوهري في أنّ خسوف القمر يبدو «أكثر شيوعًا» رغم أنّ عدد الكسوفات والخسوفات في العام متقارب.
لماذا لا يحدث الاثنان كل شهر؟
قد يخطر ببالك سؤال منطقي: ما دام القمر يمرّ بين الأرض والشمس كل محاق، ويقف خلف الأرض كل بدر، فلماذا لا نرى كسوفًا وخسوفًا كل شهر؟ الجواب يكمن في ميل مدار القمر بنحو خمس درجات عن المستوى الذي تدور فيه الأرض حول الشمس.
بسبب هذا الميل، يمرّ القمر في معظم الأشهر أعلى الشمس قليلًا أو أسفلها، وأعلى ظلّ الأرض أو أسفله، فلا يحدث اصطفاف تام. لا يحدث الكسوف أو الخسوف إلّا حين يتصادف المحاق أو البدر مع لحظة عبور القمر لنقطة التقاطع بين مداره ومستوى مدار الأرض، وهي نقطة تُسمّى «العقدة». لذلك تأتي الكسوفات والخسوفات في مواسم محدّدة من السنة، لا عشوائيًا.
جدول الفروق السريعة
لنلخّص الفروق في صورة واضحة. الكسوف يحدث نهارًا في المحاق، والخسوف ليلًا في البدر. في الكسوف يقع القمر في المنتصف، وفي الخسوف تقع الأرض في المنتصف. الكسوف يُرى من شريط ضيّق على الأرض ويدوم دقائق قليلة، بينما يُرى الخسوف من نصف الكوكب الليلي كله ويدوم لساعة أو أكثر. وأخيرًا، الكسوف خطر على العين ويستوجب نظارات خاصة، بينما الخسوف آمن تمامًا للنظر بالعين المجرّدة.
تحذير مهمّ للعين
أشدّد هنا على نقطة قد تنقذ بصرك: لا تنظر أبدًا إلى الشمس مباشرةً أثناء الكسوف، ولو كانت مغطّاة بمعظمها. فالجزء الصغير المتبقّي من قرص الشمس يكفي لإحداث حروق دائمة في شبكية العين دون أن تشعر بألم، لأنّ الشبكية لا تحوي مستقبلات للألم. النظارات الشمسية العادية لا تحمي إطلاقًا؛ يلزم استخدام مرشّحات كسوف معتمدة أو طرق الإسقاط غير المباشر.
في المقابل، خسوف القمر آمن مئة بالمئة؛ يمكنك التحديق فيه لساعات دون أي ضرر، بل يمكنك متابعته بالمنظار أو التلسكوب لتستمتع بتدرّجات لونه النحاسي. هذا التباين في الأمان بين الظاهرتين يذكّرنا بأنّ ما نتعامل معه في الكسوف هو ضوء الشمس المباشر بكل طاقته، بينما في الخسوف نتأمّل مجرّد انعكاس خافت مصفّى.
من الخوف القديم إلى الحساب الدقيق
لآلاف السنين كان الكسوف والخسوف مصدر رعب للشعوب؛ فاختفاء الشمس في وضح النهار بدا كأنّه علامة على غضب إلهي أو نذير حرب ومجاعة. لكنّ الحضارات القديمة، من البابليين إلى الصينيين إلى اليونانيين، راقبت هذه الظواهر بدأب حتى اكتشفت أنّها تتكرّر بنمط منتظم. عرف البابليون دورة زمنية تُسمّى «الساروس» تبلغ نحو ثمانية عشر عامًا وأحد عشر يومًا، تعود بعدها الكسوفات المتشابهة، فصار بإمكانهم التنبّؤ بها قبل حدوثها.
اليوم بلغت الدقة حدًّا مذهلًا: يستطيع الفلكيون تحديد لحظة بدء الكسوف ومكان مساره على الأرض قبل قرون من وقوعه، بل ورسم خريطة الظلّ على سطح الكوكب بدقّة الثواني. هذا التحوّل من الخرافة إلى الحساب هو في جوهره قصّة العلم كله: ظاهرة كانت تُخيف الأجداد صارت اليوم موعدًا نرتّب له رحلاتنا ونضبط عليه ساعاتنا.
القمر يبتعد ببطء
ثمّة حقيقة لافتة تستحق أن تُذكر: القمر يبتعد عن الأرض بمقدار نحو أربعة سنتيمترات كل عام. هذا يعني أنّ الكسوف الكلّي المثالي الذي نراه اليوم لن يدوم إلى الأبد؛ فبعد مئات ملايين السنين سيصبح القمر بعيدًا وصغيرًا في سمائنا إلى حدّ يعجز معه عن حجب قرص الشمس بالكامل، فلن يبقى لدينا سوى الكسوف الحلقي الذي يترك حلقة نارية حول القمر. نحن إذن نعيش في حقبة كونية محظوظة يتساوى فيها القرصان تقريبًا.
المصادر
الإدارة الوطنية للطيران والفضاء (NASA) — أدلّة الكسوف والخسوف ومسارات الكلّية. وكالة الفضاء الأوروبية (ESA). موسوعة بريتانيكا (Britannica) — مادّتا «Solar eclipse» و«Lunar eclipse». ناشيونال جيوغرافيك (National Geographic).