طنين تاوس الغامض: صوت يسمعه البعض دون مصدر واضح
📷 Alfo Medeiros · Pexels✦ أهم النقاط
- طنين تاوس همهمة منخفضة التردّد أبلغ عنها سكّان في بلدة تاوس بنيومكسيكو مطلع التسعينيات.
- يسمعها أقلّية فقط («السامعون»)، بينما لا يلتقطها معظم الناس ولا كثير من الأجهزة بسهولة.
- لا تفسير واحد مؤكّد؛ الفرضيات تشمل أصواتًا بيئية وصناعية، وحساسية سمعية فردية، وأصواتًا تنشأ داخل الأذن.
- ظاهرة «الهمهمة» ليست حكرًا على تاوس؛ فقد أُبلغ عن أمثلة مشابهة في مدن عدّة حول العالم.
في بلدة تاوس الهادئة بولاية نيومكسيكو الأمريكية، وسط صحراء عالية تحفّها الجبال، يشكو عدد قليل من السكّان من صوت لا يفارقهم: همهمة خفيضة مستمرّة، أشبه بمحرّك ديزل يدور في مكان بعيد، أو بشاحنة واقفة لا تتوقّف أبدًا. المزعج في الأمر أن جارك قد لا يسمع شيئًا على الإطلاق، بينما أنت تكاد لا تنام من الطنين. من أين يأتي هذا الصوت الذي يسمعه البعض ويغيب عن الأكثرية؟ هذا هو «طنين تاوس»، أحد أكثر الألغاز الحسّية إثارةً للحيرة، والذي لم يُحسم حتى اليوم.
دعنا نتّفق منذ البداية على أمر مهمّ: طنين تاوس ليس خرافة، لكنه أيضًا ليس لغزًا خارقًا. إنه ظاهرة حقيقية يعيشها أناس حقيقيون، وتفسيرها العلميّ ما زال غير مكتمل، وهذا بالضبط ما يجعله مثيرًا.
لقطة أموالك (Money Snapshot)
شوف مكانك المالي في ثواني: قسمة 50/30/20 ونسبة ادّخارك وكام شهر طوارئ عندك — مجانًا.
كيف بدأت القصّة؟
برزت الظاهرة إلى العلن مطلع تسعينيات القرن الماضي، حين بدأ سكّان في منطقة تاوس يشتكون من همهمة منخفضة تؤرّقهم. لم يكن الأمر شكوى فرد شاذّ، بل مجموعة من الناس تصف التجربة نفسها تقريبًا. بلغ الأمر مسامع المشرّعين، فمُوّل بحث جمع علماء من جامعات ومعاهد لدراسة المسألة على الأرض. أجرى الفريق مسوحات واستبيانات، ووضع أجهزة قياس حسّاسة في المنطقة سعيًا لالتقاط مصدر الصوت. لكن النتيجة كانت محيّرة: لم يتمكّن الباحثون من رصد إشارة صوتية أو اهتزازية واضحة تفسّر ما يصفه «السامعون» بثقة.
من هم «السامعون»؟
من أغرب سمات الظاهرة أنها انتقائية. فنسبة صغيرة فقط من الناس، تُقدَّر بجزء ضئيل من السكّان، تقول إنها تسمع الطنين، بينما لا يسمعه من حولهم شيئًا. يوصف هؤلاء بـ«السامعين». يصفون الصوت بأنه منخفض جدًّا، مستمرّ، يزداد وضوحًا ليلًا وداخل البيوت حيث يهدأ الضجيج المحيط. كثيرون منهم يعانون فعلًا؛ فالصوت يسبّب لهم أرقًا وتوتّرًا وصداعًا. هذه الانتقائية أشعلت الجدل: هل المصدر خارجيّ لا يلتقطه إلا بعض الآذان الحسّاسة؟ أم أن شيئًا يحدث داخل السامع نفسه؟
الفرضيات المتنافسة
لأن اللغز لم يُحسم، تتعايش عدّة تفسيرات علمية محتملة، ولكلٍّ منها ما يدعمه وما يعارضه. من المهمّ أن نعرضها كفرضيات لا كحقائق مؤكّدة.
أصوات بيئية وصناعية خفيّة: يرى فريق أن مصدر الطنين حقيقيّ وخارجيّ، كاهتزازات آلات صناعية بعيدة، أو خطوط كهرباء، أو حركة مرور، أو حتى ضجيج منخفض التردّد ينتقل مسافات طويلة عبر الأرض والهواء. المشكلة أن المسوحات لم تعثر على مصدر ثابت يفسّر كلّ الحالات.
موجات منخفضة جدًّا: تقترح فرضية أخرى أن الصوت في نطاق التردّدات المنخفضة جدًّا أو تحت الصوتية، التي يصعب على الأجهزة العادية والأذن المتوسّطة التقاطها، لكن بعض الأشخاص الأكثر حساسية لها قد يدركونها.
حساسية سمعية فردية: يرجّح آخرون أن الأمر يعود إلى اختلاف الآذان نفسها؛ فبعض الناس لديهم حساسية استثنائية لترددات منخفضة معيّنة، فيسمعون ما لا يسمعه الجمهور من الأصوات ذاتها الموجودة حولهم.
أصوات تنشأ داخل الأذن: هناك فرضية لافتة مفادها أن جزءًا من الحالات قد يكون مصدره الأذن الداخلية نفسها. فالأذن البشرية ليست مجرّد مستقبِل سلبيّ؛ بل يمكن لخلاياها أن تُصدر أصواتًا دقيقة تُعرف بالانبعاثات الصوتية الأذنية. وقد يفسّر هذا، مع أشكال من طنين الأذن المزمن، بعض حالات «السامعين» دون وجود مصدر خارجيّ إطلاقًا.
لماذا يصعب حسم الأمر؟
قد تتساءل: لماذا لا يحسم العلماء مصدر صوت واحد؟ المشكلة أن «الهمهمة» ليست ظاهرة واحدة متجانسة، بل على الأرجح مظلّة تجمع أسبابًا مختلفة تحت وصف متشابه. فقد يسمع شخص في تاوس طنينًا مصدره آلة بعيدة حقًّا، بينما يسمع آخر في مدينة أخرى طنينًا مصدره أذنه الداخلية، ويصف كلاهما التجربة بكلمات متقاربة. يُضاف إلى ذلك صعوبة قياس صوت خفيض جدًّا، متقطّع أحيانًا، لا يلتقطه الجميع. وحين تختلط الأسباب المحتملة بهذا الشكل، يصبح من غير العلميّ ادّعاء تفسير واحد قاطع. الأمانة العلمية هنا تقتضي أن نقول بوضوح: الظاهرة حقيقية، لكنها لم تُفسَّر تفسيرًا نهائيًّا موحّدًا.
ليست تاوس وحدها
خلافًا للاسم، «الهمهمة» ليست حكرًا على تاوس. فقد وردت بلاغات مشابهة من مدن كثيرة حول العالم، حتى صارت تُعرف عمومًا بظاهرة «الهَمْهمة». في كلّ حالة يصف سكّان صوتًا منخفضًا متواصلًا يسمعه قليلون ويؤرّقهم، بينما لا يجد الباحثون دائمًا مصدرًا واضحًا. هذا الانتشار الجغرافيّ يقوّي فكرة أن ما نسمّيه «همهمة» ليس صوتًا واحدًا بعينه، بل نمط تجربة إنسانية مشتركة قد تنتج عن أسباب متعدّدة تختلف من مكان إلى آخر.
حين يصبح الصوت عبئًا
من الخطأ أن نتعامل مع طنين تاوس كطرفة أو فضول عابر؛ فبالنسبة للسامعين هو معاناة يومية حقيقية. يصف بعضهم كيف يتسلّل الطنين إلى وعيهم لحظة يخلد المكان إلى الهدوء، فيحرمهم النوم ويشتّت تركيزهم ويستنزف أعصابهم على مدى شهور وسنوات. بعضهم انتقل من بيته أملًا في الهرب من الصوت، ليكتشف أنه يلاحقه في مكان آخر. هذه المعاناة تجعل تجاهل الظاهرة أو السخرية منها موقفًا غير منصف؛ فحتى لو كان جزء من الحالات ينشأ داخل الأذن، فإن الألم الذي يشعر به السامع حقيقيّ لا وهم فيه. ولهذا صار جزء من البحث موجّهًا لمساعدة هؤلاء على التكيّف، عبر فهم ما يسمعونه وتخفيف أثره في حياتهم.
بين العلم والخيال الشعبيّ
غياب تفسير قاطع ترك بابًا مفتوحًا أمام التخمينات؛ فربطها بعضهم بأسلحة سرّية، أو اتّصالات تحت الأرض، أو ظواهر خارقة. لكن لا دليل على أيّ من ذلك، والقفز إلى تفسيرات خارقة كلّما عجز العلم مؤقّتًا عن الحسم هو بالضبط ما ينبغي أن نتجنّبه. غياب الإجابة اليوم لا يعني استحالتها؛ بل يعني أننا أمام ظاهرة معقّدة تتقاطع فيها فيزياء الصوت مع علم وظائف السمع مع علم النفس الإدراكيّ. الموقف العلميّ الصحيح هو التواضع: أن نعترف بأننا لا نعرف كلّ شيء بعد، وأن نواصل البحث بأدوات أدقّ.
لماذا يستحقّ هذا اللغز اهتمامنا؟
قد يبدو طنين تاوس مسألة هامشية، لكنه يفتح أسئلة عميقة عن حدود إدراكنا. فهو يذكّرنا أن ما نسمعه ليس نسخة أمينة من العالم، بل حصيلة تفاعل معقّد بين أصوات البيئة وأجهزتنا الحسّية وأدمغتنا. ودراسته تفيد في فهم ضجيج التردّدات المنخفضة وأثره في صحّة الإنسان ونومه، وفي تطوير طرائق أدقّ لقياس أصوات خفيّة. والأهمّ أنه يعلّمنا كيف نتعامل بنضج مع لغز غير محلول: لا بإنكار معاناة من يسمعونه، ولا بالاستسلام لتفسيرات خرافية، بل بالفضول الصبور الذي هو جوهر العلم. فبعض أجمل الأسئلة هي تلك التي لم نجب عنها بعد.
المصادر
استندت هذه المقالة إلى تقرير التحقيق في طنين تاوس خلال تسعينيات القرن الماضي الذي شارك فيه باحثون من مؤسّسات كجامعة نيومكسيكو ومختبر لوس ألاموس، وإلى أدبيات علم الصوتيات حول الأصوات تحت الصوتية والانبعاثات الصوتية الأذنية وطنين الأذن، إضافةً إلى تقارير إعلامية مثل هيئة الإذاعة البريطانية (BBC) حول ظاهرة الهمهمة حول العالم.