الدوائر الجنّية في الصحراء: نقاط عارية تحيّر العلماء
📷 Loïc Alejandro · Pexels✦ أهم النقاط
- الدوائر الجنّية بقع دائرية عارية من النبات محاطة بحلقة عشب، منتشرة بانتظام مذهل.
- تشتهر في صحراء ناميب بجنوب أفريقيا، وعُثر على مثلها في أستراليا لاحقًا.
- لا سحر ولا جنّ؛ الفرضيتان العلميتان الأبرز: نمل أبيض ينظّم التربة، أو تنافس النبات على الماء.
- الظاهرة ما زالت موضع نقاش علميّ حيّ، ولم يُحسم تفسير واحد نهائيّ لها.
من الجوّ، يبدو المشهد كأن يدًا خفية نقّطت الصحراء بانتظام هندسيّ لا يصدر عن مصادفة. آلاف الدوائر العارية من النبات، كلٌّ محاطة بحلقة من العشب الأخضر، تمتدّ على مدّ البصر كأنها خلية نحل عملاقة رُسمت على الرمل. تظنّ للوهلة الأولى أن بشرًا صنعوها، أو أن قوّة غامضة تقف وراءها. لهذا سمّاها السكّان المحلّيون «آثار أقدام الآلهة» ونسجوا حولها حكايات عن تنانين وأرواح. لكن ما هي حقًّا؟ هنا تبدأ واحدة من أمتع المعارك العلمية المفتوحة في زماننا.
ما الدوائر الجنّية بالضبط؟
الدائرة الجنّية بقعة دائرية من الأرض العارية، يتراوح قطرها غالبًا بين مترين وأكثر من عشرة أمتار، تخلو تمامًا من النبات في وسطها، وتحيط بها حافّة من العشب أكثر كثافةً وارتفاعًا من العشب المحيط بها. الأعجب ليس الدائرة الواحدة، بل انتظام توزّعها؛ فالدوائر تتباعد عن بعضها بمسافات شبه متساوية، وكأنها تتنافر، مشكّلةً نمطًا منتظمًا يغطّي مساحات شاسعة. هذا الانتظام تحديدًا هو ما يحيّر العلماء؛ إذ نادرًا ما تنتج الطبيعة أنماطًا بهذه الدقّة دون سبب واضح.
لقطة أموالك (Money Snapshot)
شوف مكانك المالي في ثواني: قسمة 50/30/20 ونسبة ادّخارك وكام شهر طوارئ عندك — مجانًا.
أين توجد؟
اشتهرت الظاهرة أوّلًا في صحراء ناميب الممتدّة على طول ساحل ناميبيا جنوب غرب أفريقيا، حيث تظهر في شريط من الأراضي الجافّة القاحلة. ظنّ الناس لعقود أنها فريدة بهذه المنطقة وحدها. ثم جاءت المفاجأة عام 2016 حين رصد باحثون دوائر مشابهة تمامًا في المناطق النائية غرب أستراليا، على بُعد آلاف الكيلومترات. هذا الاكتشاف قلب النقاش رأسًا على عقب؛ إذ إن وجود الظاهرة نفسها في قارّتين مختلفتين، ببيئتين متباعدتين، يعني أن التفسير يجب أن يكون عامًّا لا مرتبطًا بكائن محلّيّ بعينه. ولاحقًا رصد باحثون بقعًا مشابهة في مناطق جافّة أخرى، ما رجّح أن الدوائر ليست شذوذًا نادرًا، بل نمطٌ تنزع إليه الحياة النباتية كلّما اجتمعت تربة معيّنة وشحّ حادّ في الماء ومناخ قاسٍ. وهذا التعميم بحدّ ذاته دفع العلماء إلى البحث عن قانون عامّ يفسّر النمط بدل حلٍّ محلّيّ يخصّ صحراء واحدة.
الفرضية الأولى: مهندسو التربة من النمل الأبيض
لسنوات، ساد تفسير يربط الدوائر بالنمل الأبيض (الأرَضة). بحسب هذه الفرضية، تعيش مستعمرات من نوع معيّن تحت الدوائر، وتلتهم جذور النبات في وسط الدائرة فتبقيه عاريًا. النتيجة أن الأرض العارية تعمل كخزّان؛ إذ لا نبات يستهلك ماء المطر، فيتسرّب الماء إلى الأعماق ويتجمّع تحت البقعة. هذا المخزون المائيّ يغذّي العشب الكثيف على الحافّة ويُبقي مستعمرة النمل حيّة حتى في مواسم الجفاف. ويستشهد أصحاب هذه الفرضية بوجود مستعمرات نمل تحت كثير من الدوائر فعلًا.
غير أن هذا التفسير يواجه اعتراضًا قويًّا: النمل لا يوجد تحت كلّ الدوائر، وتوزيعه لا يفسّر دائمًا الانتظام الهندسيّ المذهل للنمط. فوجود النمل قد يكون نتيجةً لتجمّع الماء لا سببًا للدائرة نفسها.
الفرضية الثانية: نبات ينظّم نفسه بنفسه
الفرضية المنافسة الأقوى اليوم تستغني عن الحشرات تمامًا، وتردّ الظاهرة إلى تنافس النبات على الماء الشحيح. في بيئة جافّة جدًّا، لا يكفي الماء لينمو النبات في كلّ مكان. فتتنظّم النباتات ذاتيًّا في نمط يزيد فرص بقائها: يسحب العشب على الحافّة الماء من الوسط، فيموت نبات المركز ويبقى عاريًا، بينما يزدهر عشب الحلقة الذي صار يتغذّى على ماء الدائرة كلّها. ومع الوقت، ينشأ نمط منتظم لأن كلّ دائرة «تتنافس» مع جاراتها على الماء وتحافظ على مسافة منها، تمامًا كما تنشأ أنماط منتظمة في أنظمة أخرى في الطبيعة.
هذه الفكرة — المعروفة بالتنظيم الذاتي — مدعومة بنماذج رياضية دقيقة تحاكي كيف يتوزّع الماء والنبات، وتنتج على الحاسوب أنماطًا شبيهة تمامًا بالدوائر الحقيقية دون الحاجة إلى أيّ حشرة. وقد أظهرت دراسات ميدانية أن نبات المركز يموت من نقص الماء لا من عضّ الجذور، وهو ما يرجّح كفّة هذا التفسير في نظر كثير من الباحثين.
لماذا لم يُحسم الجدل؟
قد تتساءل: لماذا لا يحسم العلماء الأمر ببساطة؟ المشكلة أن الفرضيتين ليستا بالضرورة متناقضتين تمامًا، وأن كلّ طرف يملك أدلّة ميدانية حقيقية. فبعض المواقع تُظهر ارتباطًا واضحًا بالنمل، وبعضها الآخر يُفسَّر بالتنظيم الذاتي وحده، وربما تتداخل عوامل متعدّدة بنسب مختلفة بين موقع وآخر. كما أن دراسة نمط يمتدّ لكيلومترات ويتشكّل عبر عقود ليست بالمهمّة السهلة. ولهذا يبقى النقاش مفتوحًا وحيًّا، وهذا في ذاته درس جميل: العلم ليس دائمًا إجابةً واحدة جاهزة، بل أحيانًا حوار صادق بين فرضيات متنافسة، كلٌّ منها يقترب من الحقيقة بزاوية.
دوائر تولد وتموت
من أغرب ما كشفته المراقبة طويلة الأمد أن الدوائر ليست ثابتة أبدية، بل كائنات شبه حيّة لها دورة عمر. فالدائرة الجنّية تولد، وتنمو، وتبلغ نضجها، ثم تشيخ وتختفي بعد عقود، بينما تنشأ دوائر جديدة في مواضع أخرى. رصد الباحثون هذه الحركة البطيئة عبر صور جوّية التُقطت على مدى سنوات، فتبيّن أن متوسّط عمر الدائرة قد يمتدّ من بضعة عقود إلى نحو ستّين عامًا. هذا «التنفّس» البطيء للنمط، حيث تظهر دوائر وتختفي أخرى مع بقاء الكثافة الكلّية شبه ثابتة، يعزّز فكرة أن الظاهرة نظام ديناميكيّ حيّ يستجيب لتغيّر الأمطار والتربة، لا مجرّد علامات جامدة على الأرض.
الأسطورة في مواجهة العلم
قبل العلم، كان لكلّ ثقافة تفسيرها. رأى بعض السكّان في الدوائر آثار أقدام الآلهة، أو أماكن رقصت فيها الأرواح، أو ندوبًا خلّفها تنّين تحت الأرض بأنفاسه. وحتى اليوم، ما زال بعضهم ينسب الظاهرة إلى أطباق طائرة أو طاقات غامضة. لكن العلم لا ينفي جمال الظاهرة حين يفسّرها؛ بل يضيف إليها طبقةً أعمق من الدهشة. فأن تنشأ هذه الهندسة البديعة من مجرّد نبات يتنافس على قطرات ماء، أو حشرات تعيد تشكيل التربة، أعجب من أيّ تنّين، لأنه حقيقيّ ويمكن قياسه وفهمه.
لماذا تستحقّ الدوائر اهتمامنا؟
أهمّية الدوائر الجنّية تتجاوز غرابتها. فهي نموذج حيّ لدراسة كيف تنشأ الأنماط المنتظمة في الطبيعة من قواعد بسيطة، وهو سؤال يمسّ مجالات بعيدة، من نموّ الخلايا إلى توزّع النجوم. كما أنها تكشف كيف تتكيّف الحياة مع ندرة الماء في أقسى البيئات، وهو علم يزداد أهمّية مع اتّساع رقعة الجفاف في العالم. لهذا تبقى هذه النقاط العارية، رغم صمتها، من أبلغ ما تحدّثنا به الصحراء عن أسرار التوازن بين الماء والحياة.
المصادر
استندت هذه المقالة إلى تقارير ناشيونال جيوغرافيك حول الدوائر الجنّية، ودراسات منشورة في دوريات مثل Nature وPNAS حول فرضيتَي النمل الأبيض والتنظيم الذاتي للنبات، إضافةً إلى أبحاث ميدانية من صحراء ناميب وغرب أستراليا وثّقها باحثون في علم البيئة النباتية.