غرائب وحكايات

لغز ممر دياتلوف: تسعة متسلّقين وموتٌ غامض في الثلج

لغز ممر دياتلوف: تسعة متسلّقين وموتٌ غامض في الثلج📷 Jędrzej Koralewski · Pexels

✦ أهم النقاط

  • عام 1959 مات تسعة متسلّقين سوفييت في ظروف غامضة بجبال الأورال.
  • الخيمة قُطعت من الداخل، وخرجوا حفاةً في برد قاتل — سلوك يبدو غير منطقي.
  • نظريات كثيرة طُرحت: انهيار جليدي، رياح، بل ودراسات حديثة ترجّح تفسيرًا علميًّا.
  • دراسة 2021 اقترحت انهيارًا جليديًّا نادرًا كأقرب تفسير عقلاني.

في شتاء عام 1959، انطلق تسعة من طلبة الجامعة السوفييت المتمرّسين في التسلّق نحو جبال الأورال الشمالية، في رحلة اعتادوا مثلها. كانوا أصدقاء أقوياء، مدرّبين، يعرفون البرد وأخطاره. لكنهم لم يعودوا. وحين عُثر عليهم، لم يكن المشهد مجرّد حادث تجمّد عادي؛ كان لغزًا سيحيّر الناس أكثر من ستّين عامًا. خيمتهم وُجدت ممزّقة ومقطوعة من الداخل، وآثار أقدامهم قادت بعيدًا عنها — حفاةً أو بجوارب رقيقة — في ثلج تحت الصفر بعشرات الدرجات.

المشهد الذي حيّر المحقّقين

كل تفصيل بدا يناقض المنطق. لماذا يشقّ متسلّقون خبراء خيمتهم من الداخل ويهربون منها إلى موتٍ محقّق بردًا، تاركين أحذيتهم وملابسهم الثقيلة؟ بعض الجثث حملت إصابات غريبة: أضلاع مكسورة بقوة هائلة دون جروح خارجية تُذكر، وواحدة فقدت لسانها. هذه التفاصيل غذّت لعقود سيلًا من النظريات، بعضها معقول وبعضها خيالي تمامًا.

لقطة أموالك (Money Snapshot)

شوف مكانك المالي في ثواني: قسمة 50/30/20 ونسبة ادّخارك وكام شهر طوارئ عندك — مجانًا.

اعرف أكثر · $0

سيل النظريات: من المعقول إلى الخيالي

طُرح كل شيء تقريبًا. قيل إنها تجربة عسكرية سرّية، أو هجوم من قبيلة محلية، أو حتى كائنات فضائية وقوى خارقة — وهي تفسيرات مثيرة لكنها بلا دليل. النظريات الأكثر رصانة دارت حول الطبيعة نفسها: عاصفة ثلجية مفاجئة، أو رياح شديدة أحدثت أصواتًا مرعبة، أو انهيار جليدي دفعهم للفرار. لكن كل تفسير كان يصطدم بتفصيل يناقضه، فبقي اللغز حيًّا.

حين اقترب العلم من الجواب

في عام 2021، نشر باحثان دراسة لافتة استعانا فيها بنماذج محاكاة (بعضها من تقنيات استُخدمت في أفلام الرسوم المتحرّكة) لدراسة حركة الثلج على ذلك المنحدر. خلصا إلى أن نوعًا نادرًا من الانهيار الجليدي يُعرف بـ«انهيار اللوح» قد يكون وقع: كتلة صلبة من الثلج انزلقت في الليل فوق الخيمة، فسبّبت إصابات الضغط الشديدة دون أن تدفن كل شيء. عندها يصبح كل ما بدا غريبًا مفهومًا: قطعوا الخيمة هربًا في ذعر، وأصيب بعضهم، وفي البرد القاتل والظلام فقدوا القدرة على العودة. تفسير لا يزيل كل الغموض، لكنه الأقرب إلى العقل حتى اليوم.

من كانوا؟ وجوهٌ خلف اللغز

قبل أن يصيروا لغزًا، كانوا شبابًا يضحكون. قاد الرحلة إيغور دياتلوف، طالبٌ في الثالثة والعشرين من معهد الأورال التقنيّ، وكان أغلب رفاقه طلبةً وخرّيجين متمرّسين في التسلّق، جمعهم حبّ الجبال والمغامرة. انطلقوا عشرةً في البداية نحو جبل «أوتورتن» البعيد، لكنّ واحدًا منهم، يوري يودين، اضطرّ للعودة في الطريق بسبب وعكةٍ صحّية ألمّت به. لم يدرِ يودين وقتها أنّ تلك الوعكة أنقذت حياته، وأنّه سيكون الناجي الوحيد الذي يودّع أصدقاءه بعناقٍ أخير قبل أن يبتلعهم الثلج. تخيّل ثِقل ذلك الوداع في ذاكرته بقيّة عمره. تسعةٌ مضوا، وواحدٌ بقي ليروي.

أيّامهم الأخيرة في اليوميّات والصور

من أكثر ما يجعل هذه القصّة مؤثّرةً أنّها ليست غامضةً تمامًا؛ فقد ترك الشبّان خلفهم يوميّاتٍ مكتوبة وكاميرات أعادها المحقّقون وحمّضوا أفلامها. في تلك الصفحات والصور، نراهم أحياءً يمزحون، يمشون في الثلج الأبيض، ينصبون خيمتهم، يبتسمون لعدسةٍ لا يعلمون أنّها تلتقط آخر لحظاتهم. الحقيقة أنّ هذه اللمحات الإنسانية هي ما يشدّ القلب أكثر من أيّ نظرية؛ فأنت لا تقرأ عن أرقامٍ وضحايا، بل عن أصدقاءَ حقيقيّين بأحلامٍ وأصواتٍ ونكات. آخر الصور، بحبيباتها الغامضة، صارت أيقونةً للّغز: بقعةُ ضوءٍ في ظلام، لا أحد يجزم بما تُظهره فعلًا.

أسابيع من البحث المرير

حين تأخّر الشبّان عن موعد عودتهم، انطلقت فرق البحث في العراء المتجمّد. عثروا أوّلًا على الخيمة المهجورة على منحدرٍ يسمّيه السكّان المحلّيّون «جبل الموتى»، منصوبةً لكن ممزّقة، وأمتعتهم بداخلها كأنّهم غادروها في لحظةٍ واحدة. ثمّ تتالى العثور على الجثث تدريجيًّا: بعضها قرب شجرةٍ في العراء، وبعضها بين الشجرة والخيمة كأنّهم حاولوا العودة. لكنّ الأصعب جاء بعد أسابيع طويلة، مع ذوبان الثلج في مايو، حين وُجد آخر أربعةٍ في وادٍ ضيّق تحت طبقةٍ سميكة من الجليد. هؤلاء تحديدًا حملوا الإصابات الأشدّ غموضًا، وكأنّ الوادي احتفظ بأثقل أسرار تلك الليلة إلى النهاية.

تفاصيل غذّت الرعب لعقود

لم تكن مأساةً هادئة؛ فقد رافقتها تفاصيل تقشعرّ لها الأبدان وأشعلت الخيال عقودًا. تحدّثت التقارير عن آثار إشعاعٍ خفيف على بعض ملابسهم، وعن بشرةٍ وُصفت بلونٍ برتقاليّ داكن، وشعرٍ بدا كأنّه شاب. وأثارت جثّةٌ واحدة رعبًا خاصًّا لفقدانها لسانها وأجزاءً من وجهها، وإن رجّح كثيرون أنّ لذلك تفسيرًا طبيعيًّا يتعلّق ببقائها في مجرى ماءٍ متجمّد وتحلّلٍ طويل. أمّا الأضلاع والجماجم المكسورة بقوّةٍ هائلة دون جروحٍ خارجية تُذكر، فبقيت أعقد الألغاز. كلّ تفصيلٍ من هذه، حين يُروى في ليلةٍ عاصفة، يبدو كأنّه نُزع من قصّة رعب، وهذا بالضبط ما أبقى الأسطورة حيّةً كلّ تلك السنين.

نظرية الرياح التي تصرخ

من بين التفسيرات الأحدث والأكثر إثارةً للفضول، برزت نظريّةٌ تقول إنّ الرياح نفسها قد تكون ما أرعبهم. اقترح باحثٌ في كتابٍ لافت أنّ شكل الجبل قد يحوّل الرياح العاتية إلى دوّاماتٍ منتظمة تولّد موجاتٍ صوتية منخفضة جدًّا (Infrasound) لا تسمعها الأذن، لكنّها تسبّب للبشر قلقًا غامضًا وذعرًا ورعبًا لا يُفسَّر. تخيّل أن تستيقظ في خيمةٍ وسط جبلٍ مظلم، وقد اجتاحك خوفٌ بدائيّ لا تعرف مصدره، حتى تفرّ منه إلى العراء. قد تفسّر هذه النظرية سرّ خروجهم المذعور من الخيمة، وإن لم تجزم بها. إنّها تذكيرٌ بأنّ الطبيعة قد تلعب بعقولنا بأدواتٍ لا نراها ولا نسمعها.

لماذا يظلّ هذا اللغز حيًّا؟

حتى مع التفسير العلمي، يبقى ممر دياتلوف يجذب الناس، ولسبب إنساني عميق: نحن نخشى ما لا نفهمه، ونمتلئ فضولًا تجاه من واجهوا نهايتهم في ظروف نجهلها. القصة تذكّرنا بأمرين: أن الطبيعة قادرة على مفاجآت أعنف من خيالنا، وأن العقل العلمي — بالصبر والأدوات الحديثة — يستطيع أن يضيء حتى أظلم الألغاز. اللغز لم يعد «خارقًا»، لكنه بقي مؤثّرًا لأنه قصة بشر حقيقيين واجهوا ليلة لا تُنسى.

🌍
قسم القصص والتاريخ — معرفة · فريق تحرير متخصّص في معرفة

فريق تحرير مستقل يبحث في مصادر موثوقة ويراجع كل مقال قبل النشر لضمان الدقة والوضوح. المحتوى لأغراض تعليمية عامة.