غرائب وحكايات

بوّابة الجحيم: حفرة نار في الصحراء تشتعل منذ عقود

بوّابة الجحيم: حفرة نار في الصحراء تشتعل منذ عقود📷 Turgay Koca · Pexels

✦ أهم النقاط

  • «بوّابة الجحيم» حفرة غاز مشتعلة في صحراء قره قوم بتركمانستان.
  • الأرجح أنها بدأت بانهيار أرضي فوق جيب غاز طبيعي، ثم أُشعلت لمنع تسرّب سامّ.
  • تُوقّع أن تحترق أيامًا، لكنها ظلّت مشتعلة عقودًا لغزارة الغاز تحتها.
  • صارت وجهة سياحية ورمزًا لقوة الطبيعة الجوفية.

في وسط صحراء قره قوم الموحشة بتركمانستان، توجد فجوة دائرية عرضها نحو سبعين مترًا تشتعل بلهب لا ينطفئ. من بعيد تبدو كبوّابة إلى عالم سفليّ، ولذلك أطلق عليها السكّان اسم «بوّابة الجحيم». لكن خلف هذا المشهد المرعب لا توجد أسطورة، بل قصة بشرية عن قرار سريع تحوّل إلى شعلة أبدية.

كيف بدأت الحكاية؟

الرواية الأكثر تداولًا تعود إلى حقبة التنقيب السوفييتي عن الغاز في المنطقة. أثناء الحفر فوق جيب ضخم من الغاز الطبيعي، انهارت الأرض فجأة وابتلعت المعدّات، تاركةً حفرة واسعة تتصاعد منها كميّات هائلة من غاز الميثان السامّ. خشي المهندسون أن ينتشر الغاز ويسمّم المنطقة، فاتّخذوا قرارًا بدا منطقيًّا: يُشعلون الحفرة ليحترق الغاز المتسرّب خلال أيام قليلة، ثم ينطفئ كل شيء.

لقطة أموالك (Money Snapshot)

شوف مكانك المالي في ثواني: قسمة 50/30/20 ونسبة ادّخارك وكام شهر طوارئ عندك — مجانًا.

اعرف أكثر · $0

لماذا لم تنطفئ حتى الآن؟

هنا المفاجأة: ذلك التقدير كان خاطئًا تمامًا. فمخزون الغاز تحت الحفرة أضخم بكثير ممّا ظنّوا، وكأن الأرض تُغذّي النار من باطنها بلا توقّف. فبدل أن تحترق أيامًا، ظلّت الشعلة مستمرّة لعقود، تلتهم غازًا يتجدّد من أعماق لا تنضب. كل محاولة لتقدير نهايتها باءت بالفشل، لأننا لا نعرف تحديدًا حجم الخزّان الجوفي الذي يمدّها.

هل ستنطفئ يومًا؟

أعلنت السلطات أكثر من مرّة نيّتها إطفاء الحفرة، خصوصًا لأنها تهدر ثروة غازية وتضرّ بالبيئة. لكن إطفاءها ليس سهلًا؛ فقطع الغاز عنها يحتاج فهمًا دقيقًا للتكوين الجوفي وتقنيات معقّدة. حتى اليوم لا تزال تشتعل، وربّما تنطفئ حين ينفد الغاز أو حين تنجح خطة هندسية لاحتوائها. لكنها إلى الآن تظلّ شاهدًا مدهشًا على ما يختبئ تحت أقدامنا من طاقة هائلة.

درس بيئي خلف المشهد المبهر

بعيدًا عن جمالها الليليّ الأخّاذ، تحمل بوّابة الجحيم رسالة صامتة عن هدر الموارد. فطوال عقود، احترق غاز كان يمكن أن يدفّئ بيوتًا ويولّد كهرباء، تحوّل إلى لهب في العدم. إنها تذكير بأن أخطاءنا في التعامل مع الطبيعة قد تدوم أطول بكثير ممّا نتصوّر، وأن قرارًا يُتّخذ في يوم قد تظلّ آثاره مشتعلة لأجيال.

ماذا يجري في باطن الأرض تحت الحفرة؟

لفهم سرّ الاستمرار، علينا النظر إلى ما لا نراه. تقع صحراء قره قوم فوق واحد من أضخم حقول الغاز الطبيعي في العالم، حيث تتخلّل الطبقات الرسوبية جيوبٌ هائلة من الميثان محبوسة منذ ملايين السنين. حين يفتح انهيار أو حفر صدعًا يصل إلى هذه الجيوب، يجد الغاز طريقه صاعدًا عبر الشقوق كأنه ينبوع لا ينضب. لهذا لا تُغذّى النار من خزّان واحد محدود، بل من شبكة متصلة تحت الأرض تعيد ملء ما يحترق باستمرار، فتظلّ الشعلة حيّة ما دام المصدر متدفّقًا.

مشهد لا يشبهه شيء حين يهبط الليل

في النهار تبدو الحفرة مجرّد فوهة رماديّة تتصاعد منها حرارة مرتعشة، لكن مع حلول الظلام تتحوّل إلى كائن آخر تمامًا. تشتعل مئات الألسنة البرتقالية في آنٍ واحد، فيضيء وهجها كثبان الرمل حولها بلون ذهبيّ يُرى من كيلومترات. يصف الزوّار الحرارة التي تلفح الوجه من على الحافّة، والهدير الخافت المتصاعد من الأعماق، ورائحة الكبريت الخفيفة في الهواء. إنه من المشاهد النادرة التي تجعل المرء يشعر بضآلته أمام ما يختزنه باطن الأرض من طاقة.

أوّل إنسان يهبط إلى قاع النار

في نوفمبر 2013 خاض المستكشف الكنديّ جورج كورونيس مغامرة غير مسبوقة، إذ ارتدى بذلة عازلة للحرارة ونزل بالحبال إلى قاع الحفرة المشتعلة ليجمع عيّنات من التربة. والمفاجأة أن التحاليل كشفت وجود بكتيريا قادرة على العيش في تلك الحرارة القاسية دون أن تتأثّر باللهب المحيط. لم تكن الرحلة استعراضًا فحسب، بل بابًا علميًّا: فإن استطاعت الحياة أن تصمد في مثل هذه البيئة، فربّما توجد أشكال مشابهة في عوالم أخرى قاسية بالقدر نفسه.

حقيقة أم رواية تناقلها الناس؟

رغم شهرة قصّة الانهيار السوفييتي عام 1971، لا توجد وثائق رسمية تؤكّد تفاصيلها بدقّة، وهو ما يجعل بعض الجيولوجيين المحليّين يقدّمون روايات مختلفة عن تاريخ تكوّن الحفرة وإشعالها. هذا الغموض جزء من سحر المكان؛ فحتى وقت اشتعالها الأوّل ليس محسومًا تمامًا بين الباحثين. لكن الثابت علميًّا واضح: فوهة حقيقية، وغاز متدفّق، ولهب متّصل منذ عقود. أمّا التفاصيل الدقيقة فتظلّ مزيجًا من السجلّ الشحيح والذاكرة الشعبية المتوارثة.

بين هدر الطاقة وقلق المناخ

لا يقتصر أثر الحفرة على المشهد؛ فهي تطرح سؤالًا بيئيًّا جادًّا. الميثان غاز دفيئة أقوى بعشرات المرّات من ثاني أكسيد الكربون في احتباس الحرارة، وحرقُه — رغم أنه يحوّله إلى غاز أقلّ ضررًا — يبقى إهدارًا لثروة كان يمكن استثمارها. لهذا أعلنت السلطات أكثر من مرّة رغبتها في إخماد الشعلة، بل أطلقت عليها لاحقًا اسمًا أكثر تفاؤلًا هو «توهّج قره قوم». يبقى التحدّي قائمًا بين رمزيّة المكان السياحية وبين المسؤولية تجاه البيئة والموارد.

كيف صارت رمزًا وقبلةً للمغامرين؟

مع مرور السنين، تحوّلت الفوهة من حادثة تعدينية عابرة إلى واحدة من أشهر معالم آسيا الوسطى. صار المغامرون يقطعون الصحراء القاحلة ساعاتٍ بسيّاراتهم لينصبوا خيامهم قرب الحافّة ويقضوا الليل أمام وهجها الأخّاذ. ظهرت الحفرة في الأفلام الوثائقية وبرامج المغامرة، وصارت اختبارًا رمزيًّا للجرأة، حتى إن بعض الرياضيين قفزوا فوقها بالدرّاجات في عروض موثّقة. هذا الحضور الإعلاميّ منح تركمانستان المنغلقة نافذةً نادرة نحو العالم، وجعل «بوّابة الجحيم» أيقونةً تختصر جاذبية الغرابة الطبيعية حين تلتقي بشجاعة الإنسان وفضوله الذي لا يهدأ.

أرقام تختصر ضخامة المشهد

لتتخيّل حجم الظاهرة، تكفي بضعة أرقام. عرض الفوهة يقارب سبعين مترًا، أي أوسع من ملعب كرة قدم في أحد اتجاهيه، وعمقها يبلغ عشرات الأمتار تهوي فيها الجدران نحو قاع مشتعل. الحرارة قرب الحافّة عالية إلى حدّ يمنع الاقتراب طويلًا، واللهب المتصاعد يُرى ليلًا من مسافات بعيدة في الصحراء المظلمة. ومنذ اشتعالها قبل عقود لم تنطفئ يومًا واحدًا رغم عواصف الرمل والبرد والحرّ. هذه الأرقام لا تصف حفرة عادية، بل ظاهرة نادرة جمعت بين خطأ بشريّ وثراء جيولوجيّ لتصنع واحدًا من أكثر مشاهد الأرض إثارةً للدهشة.

أسئلة شائعة

أين تقع بوّابة الجحيم؟ في صحراء قره قوم قرب قرية دارفازا في تركمانستان بوسط آسيا.

كيف تكوّنت؟ الأرجح أن الأرض انهارت أثناء تنقيب عن الغاز فوق جيب طبيعي، ثم أُشعل الغاز المتسرّب لمنع انتشاره السامّ.

منذ متى وهي مشتعلة؟ منذ عقود (يعود أصلها غالبًا إلى سبعينيات القرن الماضي)، لأن الغاز تحتها غزير ومتجدّد.

هل هي خطيرة على الزوّار؟ حافّتها ساخنة والغازات قربها ضارّة، لكن مشاهدتها من مسافة آمنة صارت نشاطًا سياحيًّا شهيرًا.

🌍
قسم القصص والتاريخ — معرفة · فريق تحرير متخصّص في معرفة

فريق تحرير مستقل يبحث في مصادر موثوقة ويراجع كل مقال قبل النشر لضمان الدقة والوضوح. المحتوى لأغراض تعليمية عامة.