غرائب وحكايات

الحجارة المتحرّكة في وادي الموت: صخورٌ تسير وحدها وتترك آثارًا

الحجارة المتحرّكة في وادي الموت: صخورٌ تسير وحدها وتترك آثارًا📷 Phil Evenden · Pexels

✦ أهم النقاط

  • في وادي الموت تتحرّك صخور ثقيلة تاركةً مسارات طويلة على أرض الطين الجافّ.
  • حيّرت الظاهرة العلماء عقودًا لأن أحدًا لم يشهد الحركة مباشرة.
  • الحلّ اكتُشف عام 2014: مزيج نادر من الماء والجليد الرقيق والرياح.
  • لا شيء خارق — بل فيزياء بسيطة تحتاج ظروفًا نادرة جدًّا لتجتمع.

في ركن ناءٍ من وادي الموت في كاليفورنيا، توجد بقعة طينية مسطّحة تُسمّى «ريس تراك بلايا». المشهد فيها يبدو مستحيلًا: صخور بعضها يزن عشرات الكيلوغرامات، تستقرّ في نهاية خطوط طويلة محفورة في الأرض خلفها، وكأنها زحفت مسافات طويلة بنفسها. لا آثار أقدام حولها، ولا علامة على أن يدًا دفعتها. لعقود طويلة، وقف الزوّار والعلماء أمام هذا اللغز يتساءلون: كيف تسير حجارة صمّاء وحدها؟

لماذا حيّرت الظاهرة العلماء؟

المشكلة لم تكن في تخيّل أسباب، بل في أن أحدًا لم يشهد الحركة قط. كانت الصخور تبدو ساكنة تمامًا كلّما نظر إليها أحد، ثم يعود بعد شهور فيجد مساراتها قد امتدّت. طُرحت فرضيات كثيرة: رياح عاتية، أو زلازل، أو حقول مغناطيسية غامضة. لكن الحسابات كانت ترفض أبسطها؛ فالرياح وحدها، مهما اشتدّت، لا تكفي لتحريك صخرة ثقيلة على أرض جافّة خشنة. ظلّ اللغز معلّقًا لأن الطبيعة كانت تتحرّك في الخفاء، بعيدًا عن أعين الراصدين.

لقطة أموالك (Money Snapshot)

شوف مكانك المالي في ثواني: قسمة 50/30/20 ونسبة ادّخارك وكام شهر طوارئ عندك — مجانًا.

اعرف أكثر · $0

الحلّ المدهش: ماء وجليد ورياح

في عام 2014، نجح فريق من العلماء أخيرًا في التقاط الظاهرة متلبّسة، بكاميرات ومحطّات طقس ووحدات تتبّع دقيقة. وتبيّن أن الحلّ مزيج نادر من ثلاثة عناصر يجب أن تجتمع بترتيب دقيق. أولًا، ينزل مطر خفيف فيغمر أرض البلايا بطبقة ماء ضحلة جدًّا. ثانيًا، تنخفض الحرارة ليلًا فتتجمّد هذه الطبقة إلى صفائح رقيقة من الجليد تطفو حول الصخور. ثالثًا، مع شروق الشمس يبدأ الجليد في الذوبان والتشقّق إلى ألواح كبيرة، وتكفي عندها نسمة رياح خفيفة لتدفع هذه الألواح الجليدية، فتزحف حاملةً الصخور معها ببطء شديد — سنتيمترات في الدقيقة — تاركةً تلك المسارات الغامضة في الطين الطري تحتها.

لماذا لم يرها أحد إذن؟

الآن يتّضح سبب الغموض: الحركة كانت تحدث في ظروف قاسية ونادرة للغاية — ليالٍ باردة عقب مطر شحيح في واحدة من أكثر بقاع الأرض جفافًا، وبسرعة بطيئة لا تكاد تُرى بالعين. كان كل شيء يتآمر على إخفاء السرّ: المكان معزول، والظرف عابر، والحركة أبطأ من أن يلحظها زائر. لم يكن الأمر خارقًا للطبيعة قط، بل كان فيزياء بسيطة تحتاج فقط إلى مصادفة نادرة تجمع الماء والبرد والريح في اللحظة نفسها.

الدرس الأجمل في القصة

قصة الحجارة المتحرّكة نموذج مصغّر لكيفية عمل العلم. ظاهرة بدت «سحرية» لأننا لم نملك بعد الأدوات والصبر لرصدها، وما إن توفّرا حتى تحوّل الغموض إلى فهم. وهذا لا يقلّل من دهشتها، بل يعمّقها؛ فأن تعرف أن رقاقة جليد ونسمة هواء قادرتان على تحريك صخرة، أعجب وأجمل من أي تفسير خارق. الطبيعة لا تحتاج إلى سحر لتبهرنا — يكفيها الفيزياء حين تصطفّ ظروفها النادرة.

كيف أثبت العلماء ذلك أخيراً؟

بقيت الحجارة المتحرّكة لغزاً لأنّ أحداً لم يشاهدها تتحرّك قطّ. حُسم الأمر أخيراً عام 2014، حين ثبّت باحثان أمريكيان أجهزة تحديد موقع «GPS» داخل عددٍ من الصخور، ونصبا كاميراتٍ لالتقاط صورٍ متتابعة على مدى شهور فوق قاع بحيرة «ريس-تراك بلايا» الجافّة.

وذات يومٍ شتوي، كانا هناك عندما بدأت الحجارة تنزلق أمام أعينهما بالفعل. سجّلت الأجهزة كلّ شيء: تحرّكت الصخور مسافاتٍ تصل إلى عشرات الأمتار بسرعةٍ بطيئة لا تكاد تُرى. هكذا تحوّل اللغز من تخميناتٍ إلى ظاهرةٍ موثّقة بالأرقام والصور، وانتهى قرنٌ كامل من الحيرة.

الوصفة الدقيقة لحركةٍ نادرة

المدهش أنّ حركة الصخور تتطلّب توليفةً نادرة من الظروف تجتمع في تسلسلٍ محدّد. أوّلاً يتساقط قدرٌ من المطر يكفي لتكوين بحيرةٍ ضحلة جداً على قاع البلايا، ثمّ تنخفض الحرارة ليلاً حتى تتجمّد طبقةٌ رقيقة من الجليد فوق الماء.

في الصباح، حين تشرق الشمس وتبدأ الطبقة الجليدية بالتشقّق إلى ألواحٍ عائمة، تكفي رياحٌ خفيفة لدفع هذه الألواح فتزحف بدورها دافعةً الصخور أمامها على الطين الزلق. كلّ عنصرٍ من هذه العناصر لا يفعل شيئاً وحده، لكنّ اجتماعها في اللحظة المناسبة هو ما يحرّك ما ظننّاه مستحيل الحركة.

لماذا تبقى الآثار محفورةً سنوات؟

بعد أن تنزلق الصخرة، تترك خلفها أخدوداً واضحاً محفوراً في الطين. وحين يجفّ القاع تحت شمس الصيف يتصلّب ذلك الطين ويتشقّق إلى مضلّعاتٍ مميّزة، فتبقى المسارات ظاهرة لسنواتٍ كأنّها توقيعٌ تركته الصخرة على الأرض.

لكنّ هذا التوازن هشّ للغاية؛ فخطوةٌ واحدة فوق القاع حين يكون مبلّلاً قد تطمس أثراً استغرق تكوّنه شتاءً كاملاً. لهذا يُطلب من الزوّار عدم السير على البلايا وهي رطبة، حفاظاً على واحدةٍ من أجمل ظواهر الطبيعة وأكثرها هشاشة. الدرس هنا أنّ عجائب الأرض قد تكون قويّةً في غموضها، لكنّها رقيقةٌ أمام أقدامنا.

أين تحدث الظاهرة ولماذا هذا الاسم المخيف؟

تقع هذه العجيبة في «وادي الموت» بولاية كاليفورنيا الأمريكية، وتحديداً في قاعٍ طيني منبسط يُدعى «ريس-تراك بلايا». وقد نال الوادي اسمه القاتم في القرن التاسع عشر، حين تاه فيه مهاجرون عابرون وكادوا يهلكون عطشاً وحرّاً قبل أن ينجوا بأعجوبة، فأطلقوا عليه الاسم وهم يغادرونه.

والمكان جديرٌ بسمعته؛ فهو من أشدّ البقاع حرارةً وجفافاً على وجه الأرض، إذ سُجّلت فيه واحدة من أعلى درجات الحرارة في تاريخ الكوكب. تخيّل هذا التناقض العجيب: أرضٌ لا تكاد تعرف المطر، ومع ذلك يتوقّف سرّ صخورها المتحرّكة على تلك اللحظات النادرة التي يجتمع فيها الماء والجليد. في أقسى الأماكن، تختبئ أرقّ العجائب.

سؤال وجواب سريع

ما سبب حركة الحجارة في وادي الموت؟ مزيج نادر: طبقة ماء ضحلة تتجمّد ليلًا إلى جليد رقيق، ثم تذوب وتتشقّق نهارًا، فتدفعها رياح خفيفة حاملةً الصخور معها.

هل الظاهرة خارقة للطبيعة؟ لا إطلاقًا؛ إنها فيزياء بسيطة رُصدت وصُوّرت عام 2014، لكنها تتطلّب ظروفًا نادرة جدًّا لتجتمع.

لماذا تأخّر تفسيرها كل هذا الوقت؟ لأن الحركة تحدث ببطء شديد في ليالٍ باردة نادرة بمكان معزول، فلم يشهدها أحد مباشرة حتى استُخدمت كاميرات وأجهزة تتبّع دقيقة.

كم تبعد الصخور في رحلتها؟ تتفاوت؛ بعض المسارات تمتدّ عشرات الأمتار عبر مواسم متعدّدة، تاركةً خطوطًا واضحة في الطين.

🌍
قسم القصص والتاريخ — معرفة · فريق تحرير متخصّص في معرفة

فريق تحرير مستقل يبحث في مصادر موثوقة ويراجع كل مقال قبل النشر لضمان الدقة والوضوح. المحتوى لأغراض تعليمية عامة.