غرائب وحكايات

شلالات الدم في أنتاركتيكا: ماء أحمر يتدفّق من جليد أبيض

شلالات الدم في أنتاركتيكا: ماء أحمر يتدفّق من جليد أبيض📷 Francesco Ungaro · Pexels

✦ أهم النقاط

  • شلالات الدم ماء أحمر قانٍ يتدفّق من نهر تايلور الجليديّ في أنتاركتيكا.
  • اكتُشفت عام 1911 وحيّرت العلماء الذين ظنّوا اللون طحالب أولًا.
  • الحقيقة: ماء مالح غنيّ بالحديد محبوس تحت الجليد يتأكسد ويحمرّ عند خروجه.
  • تحته نظام بيئيّ حيّ معزول منذ ملايين السنين يدرسه العلماء.

تخيّل أرضًا لا لون فيها سوى الأبيض والأزرق الجليديّ، صمت مطبق وبرد يقتل. ثم فجأة، وسط هذا البياض، ترى بقعة حمراء قانية تسيل من جدار جليديّ كأنها جرح ينزف. هذا ما رآه أوّل من عثر على «شلالات الدم» في أنتاركتيكا عام 1911، فبدا المشهد خارجًا من كابوس. لكن الحقيقة وراءه، حين انكشفت، كانت أروع من أيّ خرافة.

اللغز الذي دام قرنًا

حين اكتُشفت الظاهرة، ظنّ العلماء أوّلًا أن اللون الأحمر سببه نوع من الطحالب الحمراء. لكن الفرضية لم تصمد، وبقي السرّ غامضًا لعقود: من أين يأتي هذا الماء الأحمر وسط جليد لا حياة ظاهرة فيه؟ ولماذا لا يتجمّد رغم البرد القاتل؟ صعوبة الوصول إلى المكان وقسوته أطالت عمر اللغز.

لقطة أموالك (Money Snapshot)

شوف مكانك المالي في ثواني: قسمة 50/30/20 ونسبة ادّخارك وكام شهر طوارئ عندك — مجانًا.

اعرف أكثر · $0

كشف العلم: لا دم ولا طحالب

بعد سنوات من الدراسة، تبيّن أن القصّة كيمياء بديعة. تحت نهر تايلور الجليديّ، يوجد بحيرة ماء مالح جدًّا محبوسة منذ ملايين السنين، غنيّة بالحديد المذاب، وشديدة الملوحة لدرجة أنها لا تتجمّد رغم البرودة. حين يجد هذا الماء شقًّا ويخرج إلى الهواء، يتفاعل الحديد فيه مع الأكسجين ويصدأ — تمامًا كما يحمرّ المسمار الحديديّ حين يصدأ — فيكتسب الماء لونه الأحمر القاني. فما ظُنّ دمًا هو في الحقيقة «صدأ» طبيعيّ مبهر.

الأعجب: حياة في الظلام والملح

الأدهش أن العلماء اكتشفوا أن تلك البحيرة المحبوسة ليست ميتة. تعيش فيها كائنات دقيقة تكيّفت للبقاء في ظلام دامس، بلا أكسجين ولا ضوء شمس، معتمدةً على الحديد والكبريت لطاقتها. هذا النظام البيئيّ المعزول منذ ملايين السنين صار كنزًا علميًّا؛ فدراسته تساعد على فهم كيف يمكن للحياة أن تصمد في أقسى الظروف — بل وتلهم البحث عن حياة محتملة تحت جليد أقمار أخرى في نظامنا الشمسيّ.

أين تقع بالضبط؟ وادٍ لا يعرف المطر

تنسكب شلالات الدم من طرف نهر تايلور الجليديّ في منطقة تُدعى «الوديان الجافّة» بأنتاركتيكا، وهي من أغرب بقاع كوكبنا. رغم أنها في قلب القارّة المتجمّدة، فإن هذه الوديان شبه خالية من الجليد والثلج، لأن رياحًا هابطة جافّة تبخّر أيّ رطوبة قبل أن تستقرّ. لم يسقط فيها مطر يُذكر منذ زمن سحيق، ما يجعلها من أشدّ الأماكن جفافًا على وجه الأرض. في هذا الصمت القاحل المتجمّد، يبرز خيط الماء الأحمر كأنه نبض حياة وحيد وسط لوحة بيضاء لا نهاية لها، فيزداد المشهد غرابةً ووقعًا.

سرّ بقاء الماء سائلًا في قلب القطب

كيف لا يتجمّد ماء يخرج في بيئة تحت الصفر بكثير؟ الجواب في الملح والفيزياء. الماء المحبوس تحت النهر شديد الملوحة، أضعاف ملوحة البحر، والملح يخفض درجة تجمّد الماء بشكل كبير فيبقى سائلًا حيث يتجمّد الماء العاديّ. وهناك سرّ ألطف: حين يتجمّد جزء من هذا المحلول الملحيّ، يطلق حرارةً كامنة تدفّئ ما حوله قليلًا وتساعد بقيّة الماء على البقاء سائلًا. بهذا التوازن الدقيق بين الملوحة والحرارة الكامنة، يشقّ الماء طريقه عبر جليد بارد جدًّا دون أن يستسلم للتجمّد طوال رحلته نحو السطح.

رحلة الماء من الأعماق إلى الضوء

لا يظهر الماء الأحمر دفعةً واحدة، بل ينبثق على فترات حين يجد شقًّا مناسبًا في الجليد. يبدأ من خزّان ملحيّ عميق محبوس تحت النهر منذ ملايين السنين، ثم يُدفع صعودًا عبر شبكة من القنوات والشقوق داخل الكتلة الجليدية. وحين يبلغ الحافّة ويلامس هواء أنتاركتيكا للمرّة الأولى، يبدأ الحديد الذائب فيه بالتفاعل مع الأكسجين فيصدأ، فينقلب لونه من الشفافية إلى الأحمر القاني أمام الأنظار. إنها لحظة تحوّل كيميائيّ صامتة، يتحوّل فيها ماء عمره ملايين السنين إلى «جرح» أحمر يسيل على وجه الجليد الأبيض.

نافذة على عوالم أخرى تحت الجليد

ما يجعل شلالات الدم أثمن من مجرّد منظر، أنها نموذج مصغّر لأماكن قد نجدها بعيدًا في الفضاء. فبعض أقمار المشتري وزحل، مثل يوروبا وإنسيلادوس، يُعتقد أنها تخفي محيطات ماء سائل تحت قشور جليدية سميكة. إن استطاعت كائنات دقيقة أن تعيش في بحيرة أنتاركتيكا المظلمة المالحة بلا شمس ولا أكسجين، فربّما أمكن للحياة أن تصمد في محيطات تلك الأقمار البعيدة كذلك. لهذا يدرس علماء الأحياء الفلكيّ هذا الموقع باعتباره «مختبرًا أرضيًّا» يقرّبهم من الإجابة عن سؤال قديم: هل نحن وحدنا في الكون؟

كيف رسم العلماء خريطة ما تحت الجليد؟

لم يكن سهلًا معرفة ما يجري تحت مئات الأمتار من الجليد المصمت. لكن الباحثين استخدموا تقنيات تُشبه الرادار، ترسل موجات تخترق الجليد وترتدّ عند الحدود بين المواد المختلفة، فترسم صورة لما في الأعماق دون حفر. كشفت هذه المسوحات وجود شبكة معقّدة من الماء المالح محبوسة داخل النهر وتحته، تغذّي الشلالات من خزّان قديم. بهذا تحوّل اللغز من تخمين إلى خريطة علمية ملموسة، وصار بإمكاننا أن نتتبّع مسار الماء الأحمر من مصدره الخفيّ حتى لحظة خروجه، مؤكّدين أن وراء الغرابة نظامًا طبيعيًّا دقيقًا.

ظواهر حمراء أخرى تخدع العين

شلالات الدم ليست وحدها التي تلبس لون الدم زورًا. ففي إسبانيا يجري نهر ريو تينتو بماء أحمر داكن، سببه أيضًا الحديد الذائب وكائنات دقيقة تحبّ الوسط الحمضيّ، حتى صار هو الآخر موقعًا يدرسه العلماء كنموذج لبيئات المرّيخ المحتملة. وفي البحار، يحوّل «المدّ الأحمر» مساحات من الماء إلى لون قانٍ بفعل تكاثر طحالب مجهرية. كلّ هذه المشاهد تشترك في درس واحد: اللون الأحمر في الطبيعة نادرًا ما يكون دمًا، وغالبًا ما يخفي وراءه كيمياء أو حياة دقيقة، تنتظر عينًا فضولية وعقلًا يبحث ليكشف سرّها.

أسئلة قد تدور في ذهنك

ما سبب اللون الأحمر في شلالات الدم؟ ماء جوفيّ مالح غنيّ بالحديد يخرج من تحت الجليد، فيتأكسد الحديد (يصدأ) عند ملامسة الهواء ويكتسب لونًا أحمر.

هل هو دم حقيقي؟ لا إطلاقًا؛ إنه ماء ملوّن بأكسيد الحديد، لا علاقة له بالدم رغم الشبه.

لماذا لا يتجمّد هذا الماء؟ لأنه شديد الملوحة، والملوحة العالية تخفض درجة تجمّد الماء فيبقى سائلًا رغم البرد.

هل توجد حياة تحته؟ نعم؛ كائنات دقيقة تعيش في تلك البحيرة المعزولة بلا ضوء ولا أكسجين، وتدرسها الأبحاث بشغف.

لماذا تبهرنا هذه الظاهرة؟

شلالات الدم مثال جميل على كيف يحوّل العلم الرعب إلى دهشة. ما بدا مشهدًا مخيفًا صار نافذة على أسرار الأرض وحدود الحياة. إنها تذكّرنا بأن أغرب مناظر الطبيعة غالبًا ما تخفي وراءها قصّة علمية أعمق وأجمل من أيّ أسطورة — يكفي أن نصبر ونبحث لنراها.

🌍
قسم القصص والتاريخ — معرفة · فريق تحرير متخصّص في معرفة

فريق تحرير مستقل يبحث في مصادر موثوقة ويراجع كل مقال قبل النشر لضمان الدقة والوضوح. المحتوى لأغراض تعليمية عامة.