لماذا يطفو الثلج على الماء؟ شذوذ كثافة الماء الذي أنقذ الحياة
📷 Nadezhda Moryak · Pexels✦ أهم النقاط
- معظم المواد تنكمش وتزداد كثافتها حين تتجمّد، لكن الماء يتمدّد ويصبح أقلّ كثافة.
- السبب أن الروابط الهيدروجينية ترتّب جزيئات الثلج في شبكة مفتوحة بها فراغات.
- يبلغ الماء أعلى كثافة له عند أربع درجات مئوية، لا عند نقطة التجمّد.
- لولا طفو الثلج لتجمّدت البحيرات من قاعها وفنيت الحياة المائية في المناطق الباردة.
ضع مكعّب ثلج في كوب ماء وراقبه. سيطفو بهدوء، تاركًا جزءًا صغيرًا منه فوق السطح والباقي تحته. مشهد مألوف حتى الملل، نراه كل يوم دون أن نتوقّف عنده. لكن هذا المشهد البسيط يخفي واحدًا من أغرب سلوكيات المادة في الكون، سلوكًا لولاه لما وُجدت الحياة على الأرض كما نعرفها.
لماذا هذا غريب؟ لأن القاعدة العامة في الطبيعة معاكسة تمامًا. فالمادة حين تنتقل من الحالة السائلة إلى الصلبة، تزداد كثافتها في العادة، أي يصبح الجزء الصلب منها أثقل من السائل، فيغرق فيه. لو صببتَ حديدًا منصهرًا ثم رميت فيه قطعة حديد صلبة، لغرقت. أما الماء فيكسر هذه القاعدة بجرأة: صورته الصلبة، أي الثلج، أخفّ من صورته السائلة، فيطفو. لنكتشف لماذا.
مخطّط الميزانية الشخصية
خطّط دخلك ومصروفاتك واعرف نسبة ادّخارك — برسوم حيّة.
الكثافة: من يطفو ومن يغرق
لنبدأ بالمبدأ البسيط. الطفو والغرق تحكمهما الكثافة، أي كمية المادة المحشورة في حجم معيّن. الجسم الأقلّ كثافة من السائل الذي يحيط به يطفو فوقه، والأكثر كثافة يغرق. حين يطفو الثلج، فهذا يعني حرفيًّا أن الثلج أقلّ كثافة من الماء السائل. الثلج يشغل حجمًا أكبر من كتلة الماء نفسها لو كانت سائلة، بنسبة تقارب تسعة بالمئة.
هذا التمدّد عند التجمّد قوّة هائلة لا يُستهان بها. إنه ما يفجّر أنابيب الماء في ليالي الشتاء القارس، ويشقّ الصخور حين يتسرّب الماء إلى شقوقها ثم يتجمّد ويتمدّد، بل إنه من أهمّ عوامل تفتيت الجبال وتشكيل التربة عبر آلاف السنين. الماء المتجمّد لا يكتفي بأن يصير صلبًا، بل يدفع ما حوله بعنف ليصنع لنفسه حجمًا أكبر. فما الذي يجعله يفعل ذلك؟
سرّ الروابط الهيدروجينية
الجواب مخبوء في شكل جزيء الماء نفسه. جزيء الماء يتكوّن من ذرّة أكسجين وذرّتي هيدروجين، وهو جزيء «قطبيّ»؛ أي إن أحد طرفيه يحمل شحنة سالبة طفيفة (جهة الأكسجين)، والطرف الآخر شحنة موجبة طفيفة (جهة الهيدروجين). هذا التفاوت في الشحنة يجعل جزيئات الماء تتجاذب فيما بينها بروابط خاصّة تُسمّى «الروابط الهيدروجينية»، إذ ينجذب هيدروجين جزيء نحو أكسجين جزيء مجاور.
في الماء السائل، هذه الروابط تتشكّل وتنكسر باستمرار في فوضى حركية، فتنزلق الجزيئات وتتقارب بحرّية، وتتراصّ متقاربة نسبيًّا. لكن حين تنخفض الحرارة ويتجمّد الماء، تبطئ الجزيئات وتستقرّ، فتفرض الروابط الهيدروجينية نظامها الصارم: ترتّب الجزيئات في بنية بلورية سداسية منتظمة، شبكة مفتوحة أنيقة يحفظ كل جزيء فيها مسافة ثابتة عن جيرانه.
الفراغ الذي يصنع الطفو
وهنا مربط الفرس. هذه الشبكة البلورية المنتظمة تحتوي على فراغات أكبر ممّا في السائل. في الماء السائل الفوضويّ، تتمكّن الجزيئات من الاقتراب والتزاحم لتملأ الفجوات. أما في الثلج، فالترتيب السداسيّ الصارم يبعد الجزيئات بعضها عن بعض ويترك بينها فراغات محدّدة. النتيجة أن العدد نفسه من جزيئات الماء يشغل في الثلج حجمًا أكبر ممّا يشغله في السائل. حجم أكبر لكتلة ثابتة يعني كثافة أقلّ، وكثافة أقلّ تعني الطفو.
تأمّل المفارقة: الثلج أخفّ لا لأنه يحتوي جزيئات أقلّ، بل لأن جزيئاته تصطفّ بترتيب أنيق يترك بينها فسحة. إنه كفريق من الناس يمسك كلٌّ منهم يد جاريه على مسافة ذراع؛ يشغلون مساحة أكبر ممّا لو تزاحموا في كتلة عشوائية. النظام هنا، لا الفوضى، هو ما يخلق الفراغ.
سائل لا يشبه أي سائل آخر
طفو الثلج ليس شذوذ الماء الوحيد؛ إنه واحد من قائمة طويلة من السلوكيات الغريبة التي تجعل الماء المادة الأعجب على كوكبنا. فالماء يحتاج إلى قدر هائل من الحرارة كي ترتفع درجته، ما يجعله خزّانًا حراريًّا يلطّف مناخ الأرض ويمنع تقلّبات الحرارة العنيفة. وله توتّر سطحيّ عالٍ يسمح لبعض الحشرات بالمشي فوقه، ويجعله يتسلّق جدران الأنابيب الدقيقة في سيقان النبات ليصل إلى الأوراق العالية.
كل هذه الخصائص العجيبة تعود إلى المصدر نفسه: الروابط الهيدروجينية بين جزيئاته. فهذه الروابط الخفيّة التي ترتّب الثلج في شبكة مفتوحة هي ذاتها التي تمنح الماء تماسكه وقدرته على تخزين الحرارة. وكأن الماء يدفع ثمن كونه أساس الحياة بأن يخالف قوانين المادة المعتادة في كل اتجاه تقريبًا.
غرابة عند الأربع درجات
قصّة الماء أعجب ممّا يبدو. فالماء لا يبلغ أقصى كثافته عند نقطة التجمّد (صفر مئوية)، بل عند أربع درجات مئوية فوقها. أي إنك حين تبرّد الماء من الحرارة العالية، تزداد كثافته كالمعتاد حتى يصل إلى أربع درجات، فيصبح عندها في أعلى كثافة له وأثقل ما يكون. ثم يحدث الانقلاب: إذا واصلت تبريده تحت الأربع درجات نحو التجمّد، يبدأ في التمدّد وتقلّ كثافته من جديد، لأن الروابط الهيدروجينية تشرع في بناء شبكتها المفتوحة استعدادًا للتجمّد.
لهذا الشذوذ عواقب عملية هائلة في الطبيعة، تظهر بوضوح في البحيرات حين يقترب الشتاء. فالماء الأبرد الأقرب إلى الأربع درجات هو الأثقل، فيهبط إلى القاع، بينما يبقى الماء الأبرد منه والثلج في الأعلى. وهكذا تنقلب البحيرة رأسًا على عقب مع تغيّر الفصول، في حركة صامتة تنظّمها كثافة الماء وحدها.
كيف أنقذ هذا الشذوذ الحياة؟
تخيّل لو كان الماء يتصرّف كسائر المواد، فيغرق ثلجه بدل أن يطفو. حين يأتي الشتاء، سيتجمّد سطح البحيرة أولًا، ثم يغرق الثلج إلى القاع، ويتجمّد ماء جديد في الأعلى ويغرق بدوره، وهكذا حتى تتجمّد البحيرة بأكملها من القاع إلى السطح كتلةً صلبة صمّاء. في مثل هذا العالم، لن تنجو الأسماك ولا النباتات ولا الكائنات الدقيقة في المناطق الباردة، وستفنى الحياة المائية مع أول شتاء قارس.
لكن بفضل طفو الثلج، يحدث العكس تمامًا. تتجمّد طبقة رقيقة على السطح وتطفو، فتعمل كغطاء عازل يحبس الحرارة تحته ويبطئ تجمّد باقي الماء. تحت هذا السقف الجليديّ يبقى الماء سائلًا عند أربع درجات، دافئًا نسبيًّا وآمنًا، فتواصل الأسماك والكائنات حياتها طوال الشتاء حتى يذوب الجليد في الربيع. هذا الشذوذ الصغير في كثافة مادة واحدة كان شرطًا خفيًّا لبقاء الحياة على كوكب تكسوه المياه.
وفي المرّة القادمة التي ترى فيها مكعّب ثلج يطفو في كوبك، تذكّر أنك تشهد قاعدة كونية تنكسر أمام عينيك، وأن هذا الكسر الصغير في القانون هو ذاته الذي جعل محيطاتنا وبحيراتنا مهدًا للحياة بدل أن تكون مقابر متجمّدة. أحيانًا يختبئ سرّ الوجود كلّه في تفصيل نمرّ عليه كل يوم دون أن نراه.
المصادر
استندت هذه المقالة إلى معلومات من موسوعة بريتانيكا، ومجلة ساينتفيك أمريكان، وناشيونال جيوغرافيك، والمسح الجيولوجي الأمريكي (USGS).