علوم

منخفض الدَّناكل: المكان الذي تولد فيه الأرض من جديد

منخفض الدَّناكل: المكان الذي تولد فيه الأرض من جديد📷 Eleanore Stohner · Pexels

✦ أهم النقاط

  • منخفض الدَّناكل من أخفض بقاع اليابسة (نحو 100 متر تحت سطح البحر) وأشدّها حرارة على مدار العام.
  • يقع فوق نقطة التقاء ثلاث صدوع تكتونية، حيث تنشقّ القارة الإفريقية ببطء ليولد محيط جديد بعد ملايين السنين.
  • حقل دلول الحراري وبحيراته الحمضية الملوّنة يجعلانه معملًا لدراسة الحياة في الظروف القصوى وبيئات المريخ المحتملة.

تخيّل أنك تقف في مكان يمتزج فيه كل ما ظننته متناقضًا: الأرض تحت قدميك أخفض من سطح البحر، والهواء من حولك يكاد يذيب الحديد، وأمامك بِرَك تتلألأ بالأصفر والأخضر والبرتقالي كأنها لوحة رسمها كائن لا يعرف الاعتدال. لست على كوكب آخر، بل في شمال شرق إثيوبيا، في واحدة من أغرب بقاع الأرض وأكثرها قسوةً وجمالًا في آنٍ واحد: منخفض الدَّناكل.

الحقيقة أنّ هذا المكان لا يُشبه أي شيء اعتدنا عليه. فهو يقع في ما يسمّيه الجيولوجيون «مثلّث عفار»، وهو منطقة منخفضة تمتدّ بين إثيوبيا وإريتريا وجيبوتي. بعض نقاطه تغوص إلى نحو مئة متر تحت سطح البحر، ما يجعله من أخفض المواضع على اليابسة كلها. ولأنه غائر إلى هذا الحدّ، ومحاطٌ بجبال تحبس الهواء، ولا يكاد يعرف المطر، صار من أشدّ الأماكن المأهولة حرارةً على مدار العام؛ إذ تدور درجات الحرارة السنوية حول 34 إلى 35 مئوية, وترتفع صيفًا لتلامس الخمسين. تخيّل صيفًا لا ينتهي، بلا ظلّ ولا نسمة.

مخطّط الميزانية الشخصية

خطّط دخلك ومصروفاتك واعرف نسبة ادّخارك — برسوم حيّة.

اعرف أكثر · $9

لماذا وُجد هذا المنخفض أصلًا؟

لكي نفهم الدَّناكل، علينا أن ننظر إلى ما تحت أقدامنا لا إلى ما حولنا. فالأرض ليست صخرة صمّاء ساكنة، بل قشرة مكسورة إلى ألواح ضخمة تتحرّك ببطء شديد فوق طبقة لدنة من الوشاح. وفي منطقة عفار يحدث شيء نادر لا يكاد يتكرّر في مكان آخر على سطح اليابسة: ثلاثة صدوع كبرى تلتقي في نقطة واحدة. صدع البحر الأحمر من الشمال، وصدع خليج عدن من الشرق، والصدع الإفريقي العظيم الممتدّ جنوبًا. عند هذا الملتقى، تتباعد الألواح عن بعضها في اتجاهات مختلفة، فتشدّ القشرة وترقّقها حتى تكاد تتمزّق.

وهنا يكمن سرّ المكان: نحن نقف فوق شقٍّ يتّسع. القارة الإفريقية تنشقّ ببطء إلى جزأين، وما منخفض الدَّناكل إلا الجرح المفتوح في هذا الانشقاق. الصخور تهبط لأن القشرة تُشدّ من الجانبين وتترقّق، والحمم القريبة من السطح تسخّن كل ما فوقها. وما نراه اليوم من أرضٍ جافّة متشقّقة سيصبح، بعد ملايين السنين، قاعًا لمحيط جديد يفصل «القرن الإفريقي» عن بقية القارة، تمامًا كما وُلد البحر الأحمر من قبل. نحن إذن لا ننظر إلى أرضٍ تموت، بل إلى بحرٍ يولد على مهل.

دلول: الألوان التي لا تُصدَّق

أشهر ما في الدَّناكل بقعة صغيرة اسمها «دلول». لو رأيت صورها دون تفسير لظننتها معالجة بالحاسوب. أصفرُ كبريتيّ ناصع، وأخضرُ سامّ، وبرتقاليٌّ صدئ، وأبيضُ ملحيّ، تتداخل كلها في برَكٍ دائرية صغيرة تتصاعد منها الأبخرة. لكن خلف هذا الجمال كيمياء عنيفة: مياه جوفية شديدة الحرارة تصعد عبر طبقات من الملح والكبريت، وتذيب في طريقها المعادن. الكبريت يمنحها الأصفر والأخضر، وأكاسيد الحديد تمنحها الأحمر والبرتقالي، وأملاح البوتاسيوم تترك قشورًا بيضاء وصفراء تتبلور عند الحواف.

وما يزيد المشهد غرابةً أنّ كثيرًا من هذه البرَك حمضيّ إلى حدٍّ مذهل؛ فبعضها تقترب حموضته من حموضة أقوى الأحماض، وحرارته تتجاوز ما يتحمّله معظم الكائنات. ومع ذلك يبقى دلول أحد أنشط الحقول الحرارية على الأرض، يتغيّر شكل برَكه من شهر إلى شهر، فما تراه اليوم قد يختفي غدًا وتظهر مكانه فوهة جديدة.

معمل مفتوح لدراسة الحياة… وحدودها

دعني أخبرك لماذا يهتمّ العلماء بهذا المكان أكثر من مجرّد افتتانهم بمنظره. الدَّناكل يجمع في بقعة واحدة كل ما يعدّه علماء الأحياء «مستحيلًا»: حرارة عالية جدًا، وملوحة قصوى، وحموضة شديدة، وشحّ في الماء الصالح. ومع ذلك عُثر في بعض بيئاته على كائنات دقيقة «مُحبّة للظروف القاسية» تُسمّى «الأليفة للتطرّف»، تعيش حيث لا يُتصوَّر أن تعيش خليّة. دراسة هذه الكائنات تساعدنا على فهم كيف بدأت الحياة على أرضٍ فتيّة كانت أشدّ قسوةً مما هي عليه الآن، وكيف قد تبدو الحياة — لو وُجدت — على كواكب مثل المريخ الذي كانت تجري فوقه مياهٌ مالحة قبل أن يجفّ.

لكن الدَّناكل يعلّمنا درسًا معاكسًا أيضًا. ففي دراسة لافتة نُشرت عام 2019، فحص باحثون بعض برَك دلول الأشدّ حموضةً وملوحةً وحرارة، فلم يجدوا فيها حياة ميكروبية حقيقية. أي أنّ هناك حدًّا لا تتجاوزه الحياة مهما تكيّفت؛ نقطةً تجتمع عندها العوامل القاسية فتغلق الباب تمامًا. وهذا في ذاته اكتشاف ثمين: أن نعرف أين تتوقّف الحياة لا يقلّ أهمية عن أن نعرف أين تزدهر.

بشر وملح وقوافل

وسط كل هذا التطرّف، ثمّة قصة إنسانية عمرها قرون. فشعب العفار الذي يسكن أطراف المنخفض جعل من قسوته رزقًا؛ إذ تجفّ بحيرات قديمة فتترك وراءها ألواحًا سميكة من الملح تُقطَّع باليد وتُحمَّل على الجِمال في قوافل تعبر السهل اللاهب. كان هذا الملح — الذي يُسمّى محليًا «أموليه» — يُستخدم قديمًا كأنه عملة تُتبادَل في أسواق الهضبة الإثيوبية. أن ترى قافلة جِمال تمشي في صفّ طويل فوق أرضٍ بيضاء تحت شمسٍ لا ترحم، هو مشهد يذكّرك أنّ الإنسان تعلّم أن يعيش حتى في هامش المستحيل.

أرقام تختصر المشهد

أحيانًا تقول الأرقام ما تعجز عنه الأوصاف. هذا الجدول يضع تطرّف الدَّناكل في مقارنة سريعة مع ما نعرفه:

الوجه منخفض الدَّناكل للمقارنة
الارتفاع نحو 100 م تحت سطح البحر سطح البحر = صفر
متوسط الحرارة السنوي نحو 34–35 °م القاهرة نحو 22 °م
ذروة الصيف تلامس 45–50 °م يومٌ حارّ جدًا في الخليج ~45 °م
الطبيعة الجيولوجية ملتقى ثلاثة صدوع معظم اليابسة فوق لوح واحد مستقرّ
الحموضة في دلول من الأشدّ على الأرض ماء الشرب متعادل تقريبًا

بركان لا ينام

وعلى بُعد مسافة من دلول يقف «إرتا آلي»، أحد أندر البراكين في العالم؛ فمعظم البراكين تثور ثم تهدأ سنوات أو قرونًا، أما هذا فيحمل في فوهته «بحيرة حمم» تبقى منصهرة ومتوهّجة على نحو شبه دائم منذ عقود. سمّاه سكان المنطقة «الجبل المدخّن»، وهو نافذة نادرة نطلّ منها مباشرةً على حرارة باطن الأرض دون حفر. وقوفك على حافته ليلًا، ترى الحمم تتنفّس وتتشقّق وتلتئم، يجعلك تدرك أنّ الأرض التي نمشي عليها بهدوء ليست إلا قشرة رقيقة فوق محيط من النار.

في النهاية، ما يجعل منخفض الدَّناكل مذهلًا ليس أنه الأقسى أو الأحرّ، بل أنه يكشف لنا الأرض وهي «تشتغل» أمام أعيننا. نحن معتادون أن نرى الجبال والبحار كأنها ثابتة أزلية، بينما هي في حقيقتها في حركة دائمة بطيئة لا نكاد نلمحها في عمر إنسان. الدَّناكل يختصر لنا ملايين السنين في مشهد واحد: قارة تنشقّ، ومحيط يُولد، وحياة تصارع حدودها. وربما هذا هو الدرس الأعمق — أنّ أشدّ الأماكن قسوةً قد تكون أصدقها في إخبارنا كيف يعمل كوكبنا حقًّا.

المصادر

🔬
قسم العلوم — معرفة · فريق تحرير متخصّص في معرفة

فريق تحرير مستقل يبحث في مصادر موثوقة ويراجع كل مقال قبل النشر لضمان الدقة والوضوح. المحتوى لأغراض تعليمية عامة.