علوم

ما الذي يسبّب الرياح؟

ما الذي يسبّب الرياح؟📷 David Yu · Pexels

✦ أهم النقاط

  • الرياح هي هواء يتحرّك أفقيًا من مناطق الضغط المرتفع نحو مناطق الضغط المنخفض لموازنة الفرق.
  • المحرّك الأساسي هو الشمس، لأنها تسخّن سطح الأرض بشكل غير متساوٍ فتخلق فروق الحرارة والضغط.
  • كلما زاد فرق الضغط بين منطقتين على مسافة قصيرة، اشتدّت سرعة الرياح بينهما.
  • دوران الأرض يحرف مسار الرياح عبر تأثير كوريوليس، فلا تسير في خطّ مستقيم على النطاق الكبير.

لا نرى الرياح، لكننا نراها في كل ما تحرّكه: أغصان تتمايل، أمواج ترتفع، رمال تُنقل عبر صحارٍ بأكملها. ومنذ القِدم، ملأ البشر هذا الغياب بالأساطير، فتخيّلوا آلهة تنفخ الرياح من كهوف بعيدة. لكن الحقيقة أبسط وأجمل: الرياح ليست إلا هواءً يتحرّك، والسبب في حركته يعود في النهاية إلى نجم واحد.

لفهم الرياح، يكفي أن نفهم فكرتين تعملان معًا: أن الهواء له وزن وضغط، وأن الشمس لا تسخّن الأرض بالتساوي. من تفاعل هاتين الفكرتين تولد كل ريح، من نسيم لطيف يداعب وجهك إلى إعصار يقتلع الأشجار.

مخطّط الميزانية الشخصية

خطّط دخلك ومصروفاتك واعرف نسبة ادّخارك — برسوم حيّة.

اعرف أكثر · $9

الهواء له ضغط

قد ننسى أن الهواء مادة لها وزن. فوق كل متر مربّع من الأرض يجثم عمود من الهواء يمتدّ إلى أعلى الغلاف الجوي، ويضغط بثقله على السطح. هذا ما نسمّيه الضغط الجوي. نحن لا نشعر به لأن أجسامنا متوازنة معه من الداخل والخارج، لكنه حاضر في كل لحظة.

الضغط ليس ثابتًا في كل مكان. فحيثما يكون الهواء أكثف وأبرد، يزداد الضغط، وحيثما يكون أدفأ وأخفّ، يقلّ الضغط. وهذا الاختلاف بالذات هو منبع الرياح، إذ تكره الطبيعة عدم التوازن، فتسعى دائمًا لملء الفراغ ومعادلة الفروق.

من الضغط المرتفع إلى المنخفض

تخيّل غرفتين تفصل بينهما نافذة، إحداهما مزدحمة بالناس والأخرى شبه فارغة. حين تُفتح النافذة، يندفع الناس من الغرفة المزدحمة إلى الفارغة حتى يتساوى العدد. الرياح تفعل الشيء نفسه بالضبط: يتحرّك الهواء من منطقة الضغط المرتفع، حيث الازدحام، إلى منطقة الضغط المنخفض، حيث المتّسع. هذا التدفّق الأفقي هو ما نسمّيه رياحًا.

وكلّما زاد الفرق في الضغط بين منطقتين متقاربتين، اندفع الهواء بينهما أسرع، فاشتدّت الرياح. يسمّي خبراء الأرصاد هذا الفرق على المسافة «تدرّج الضغط». إذا نظرت إلى خريطة طقس ورأيت خطوط الضغط المتساوي متقاربة جدًا، فاعلم أن رياحًا قوية تهبّ هناك.

الشمس: المحرّك الأول

يبقى سؤال: ما الذي يخلق فروق الضغط أصلًا؟ الجواب هو الشمس. فهي لا تسخّن سطح الأرض بالتساوي. المناطق الاستوائية تتلقّى أشعة عمودية مركّزة فتسخن كثيرًا، بينما تتلقّى المناطق القطبية أشعة مائلة ضعيفة فتبقى باردة. هذا التفاوت في الحرارة يترجَم مباشرة إلى تفاوت في الضغط.

الآلية دقيقة وأنيقة: حين يسخن الهواء يتمدّد ويصبح أخفّ فيصعد، تاركًا خلفه ضغطًا منخفضًا عند السطح. وحين يبرد الهواء يتكاثف ويصبح أثقل فيهبط، مكوّنًا ضغطًا مرتفعًا عند السطح. فيندفع الهواء السطحي من مناطق الضغط المرتفع الباردة إلى مناطق الضغط المنخفض الدافئة، وهكذا تدور الرياح في حلقة لا تنتهي طالما أشرقت الشمس.

نسيم البحر: الرياح في مثال يومي

أفضل مثال يمكن أن تلمسه بنفسك هو نسيم البحر. في نهار صيفي، تسخن اليابسة أسرع بكثير من ماء البحر، لأن الأرض تكتسب الحرارة بسرعة بينما يحتاج الماء وقتًا أطول ليسخن. فيصعد الهواء الدافئ فوق اليابسة تاركًا ضغطًا منخفضًا، ويبقى الهواء فوق البحر أبرد وأعلى ضغطًا.

النتيجة أن الهواء يندفع من فوق البحر البارد نحو اليابسة الدافئة، فتشعر بنسيم منعش قادم من البحر في الظهيرة. وفي الليل ينقلب المشهد: تبرد اليابسة أسرع من البحر الذي يحتفظ بحرارته، فينعكس اتجاه النسيم ويهبّ من اليابسة نحو البحر. هذا المثال الصغير يحمل في داخله كل قانون الرياح على الكوكب.

وعلى النمط نفسه تنشأ نسائم الجبل والوادي: نهارًا تسخن سفوح الجبال فيصعد الهواء عبرها من الوادي إلى القمّة، وليلًا يبرد الهواء على المرتفعات فينزلق ثقيلًا نحو الأسفل. المبدأ واحد لا يتغيّر مهما تغيّر المشهد: حرارة غير متساوية تخلق ضغطًا غير متساوٍ، وفرق الضغط يحرّك الهواء سعيًا وراء توازن لا يكتمل أبدًا.

لماذا لا تسير الرياح في خطّ مستقيم؟

لو كانت الأرض ساكنة، لسارت الرياح مباشرة من الضغط المرتفع إلى المنخفض في خطّ مستقيم. لكن الأرض تدور حول نفسها، وهذا الدوران يحرف مسار كل شيء يتحرّك فوقها لمسافات طويلة، بما فيها الرياح. يُسمى هذا الانحراف تأثير كوريوليس.

بسبب هذا التأثير، تنحرف الرياح إلى اليمين في نصف الكرة الشمالي وإلى اليسار في النصف الجنوبي. لهذا تدور العواصف والأعاصير حلزونيًا بدل أن تتّجه مباشرة إلى مركزها. وعلى نطاق الكوكب، ينظّم هذا الانحراف أحزمة الرياح الكبرى، مثل الرياح التجارية التي حملت السفن الشراعية عبر المحيطات لقرون، والرياح الغربية التي تحدّد مسار الطائرات اليوم. فكل نسمة تشعر بها امتداد لآلة عملاقة تديرها الشمس ويشكّلها دوران الأرض.

رياح لها أسماء

بعض الرياح تكرّرت وأثّرت في حياة البشر حتى نالت أسماءً خاصّة. الرياح الموسمية (المونسون) تعكس اتجاهها بين الصيف والشتاء بسبب فرق تسخين اليابسة والبحر على نطاق قارّي، وعليها تعتمد زراعة نصف سكّان آسيا إذ تجلب أمطار الموسم. ورياح الخماسين الحارّة المحمّلة بالغبار تهبّ على مصر وبلاد الشام في الربيع.

وهناك رياح محلّية شهيرة أخرى، مثل رياح الفوهن الدافئة الجافّة التي تنزل من سفوح الجبال فترفع الحرارة فجأة، ورياح الهرمتّان الجافّة التي تحمل غبار الصحراء الكبرى نحو غرب إفريقيا. كل اسم من هذه الأسماء قصّة لقاء بين جغرافيا المكان وقوانين الضغط والحرارة.

كيف نقيس الرياح؟

لقياس الرياح نحتاج أمرين: سرعتها واتجاهها. تُقاس السرعة بجهاز يُسمى مقياس شدّة الريح (الأنيمومتر)، وغالبًا ما يكون بأكواب دوّارة كلّما دارت أسرع دلّت على رياح أقوى. أما الاتجاه فتحدّده دوّارة الرياح التي تشير إلى الجهة التي تهبّ منها الريح، فنقول ريحًا شمالية إذا جاءت من الشمال.

وقديمًا وضع الأدميرال بوفورت مقياسًا وصفيًا يقدّر قوّة الرياح من مظاهرها، من السكون التامّ حين يرتفع الدخان عموديًا، إلى العاصفة التي تقتلع الأشجار. واليوم صارت الرياح مصدر طاقة نظيفة، إذ تدير التوربينات العملاقة لتوليد الكهرباء، فتحوّل حركة الهواء غير المرئية إلى نور في بيوتنا.

ولا تنسَ أن الرياح ليست دائمًا لطيفة؛ فحين يشتدّ فرق الضغط إلى أقصاه في الأعاصير المدارية، قد تبلغ سرعتها مئات الكيلومترات في الساعة فتقتلع كل شيء في طريقها. القوّة نفسها التي تداعب وجهك في نسيم لطيف هي التي تدمّر المدن حين تتضخّم، وكلاهما في جوهره هواء بسيط يبحث عن توازنه المفقود.

المصادر

الإدارة الوطنية للمحيطات والغلاف الجوي (NOAA) — الخدمة الوطنية للطقس؛ ناشيونال جيوغرافيك — قسم الطقس والغلاف الجوي؛ موسوعة بريتانيكا — مادّتا «Wind» و«Coriolis Force»؛ الوكالة الأمريكية للطيران والفضاء (NASA) — علوم الأرض.

🔬
قسم العلوم — معرفة · فريق تحرير متخصّص في معرفة

فريق تحرير مستقل يبحث في مصادر موثوقة ويراجع كل مقال قبل النشر لضمان الدقة والوضوح. المحتوى لأغراض تعليمية عامة.