علوم

كيف تتكوّن الغيوم؟

كيف تتكوّن الغيوم؟📷 Umar Andrabi · Pexels

✦ أهم النقاط

  • الغيمة تتكوّن حين يبرد الهواء الرطب الصاعد فيتكثّف بخار الماء غير المرئي إلى قطرات دقيقة.
  • التكثّف يحتاج إلى نُوى تكاثف: جسيمات مجهرية من الغبار أو الملح يلتصق بها البخار.
  • شكل السحابة يكشف حالة الجو: الركامية تعني هواءً صاعدًا مضطربًا، والطبقية هواءً هادئًا مستقرًا.
  • الغيوم لا تطفو لأنها أخفّ من الهواء، بل لأن قطراتها دقيقة جدًا تسقط ببطء شديد ويرفعها الهواء.

ارفع عينيك إلى سماء صيفية، وتأمّل تلك الجبال البيضاء الطافية. تبدو صلبة كافية لتجلس عليها، خفيفة كأنها من ريش. لكنها في الحقيقة ليست شيئًا من هذا. الغيمة كتلة من الهواء تحمل ملايين القطرات الدقيقة، أدقّ من أن تراها منفردة، مجتمعة بما يكفي لتحجب زرقة السماء.

والأعجب أن الماء الذي صنع الغيمة كان حاضرًا في الهواء قبلها، لكنه كان غير مرئي. الهواء من حولك الآن يحمل بخار ماء لا تراه. السؤال الحقيقي إذًا ليس من أين يأتي الماء، بل ما الذي يجعله يظهر فجأة على هيئة سحابة.

مخطّط الميزانية الشخصية

خطّط دخلك ومصروفاتك واعرف نسبة ادّخارك — برسوم حيّة.

اعرف أكثر · $9

من البخار غير المرئي إلى القطرة

يحمل الهواء دائمًا كمية من بخار الماء، وهو غاز شفّاف لا لون له. كلما ازدادت حرارة الهواء، زادت قدرته على حمل البخار، كما يذوب السكر في الماء الساخن أكثر مما يذوب في البارد. هذا المبدأ هو مفتاح تكوّن الغيوم كلها.

حين يبرد الهواء الرطب، تقلّ قدرته على حمل البخار. فإذا برد بما يكفي، يصل إلى حدّ لا يستطيع بعده الاحتفاظ بكل بخاره، فيتحوّل الفائض من غاز إلى قطرات ماء سائلة صغيرة. هذه العملية تُسمى التكثّف، وهي نفسها التي تُبلّل كوب الماء البارد من الخارج في يوم حار.

لكن البخار لا يتكثّف في الفراغ وحده. يحتاج إلى سطح يلتصق به. في الغلاف الجوي، تلعب جسيمات مجهرية معلّقة هذا الدور: ذرّات غبار، وحبيبات ملح من رذاذ البحر، ودخان، وحبوب لقاح. تُسمى هذه الجسيمات نُوى التكاثف، وحولها تتجمّع جزيئات البخار لتصنع أولى القطرات. بلا هذه النوى، لصعب تكوّن الغيوم كثيرًا.

ولنا في زفير أنفاسنا في يوم بارد مثالٌ نراه كل شتاء: يخرج الهواء الدافئ الرطب من صدورنا فيبرد فجأة في الجوّ البارد، فيتكثّف بخاره إلى قطرات دقيقة نراها سحابة صغيرة عابرة أمام وجوهنا. إنها الغيمة نفسها بقوانينها، مصنوعة في ثوانٍ على مستوى يدك، تختصر لك ما يجري فوقك في السماء بأكملها.

لماذا يرتفع الهواء ويبرد؟

بقي سؤال جوهري: ما الذي يبرّد الهواء أصلًا حتى يتكثّف؟ الجواب في الغالب هو الصعود. حين يرتفع الهواء إلى طبقات الجو العليا، يقلّ الضغط المحيط به، فيتمدّد. والهواء المتمدّد يبرد تلقائيًا، تمامًا كما يبرد رذاذ علبة مضغوطة على يدك حين يخرج ويتمدّد فجأة.

يرتفع الهواء الرطب لأسباب عدّة. قد تسخّن الشمس الأرض فيسخن الهواء الملامس لها ويصعد كالبالون، وهذا يصنع سُحُب الأيام المشمسة. وقد يُجبر الهواء على الصعود حين يصطدم بسلسلة جبلية فيتسلّقها، أو حين تدفع كتلة هوائية باردة كتلة دافئة إلى الأعلى عند جبهة هوائية. في كل هذه الحالات، الصعود يعني التبريد، والتبريد يعني التكثّف والغيوم.

أنواع السحب وما تخبرنا به

ليست كل السحب متشابهة، وشكلها ليس عبثًا بل رسالة عن حالة الجو. يصنّف العلماء السحب أساسًا حسب ارتفاعها وشكلها. إليك العائلات الكبرى:

  • السحب الركامية (Cumulus): كتل بيضاء منتفخة كقطع القطن، قاعها مسطّح وقمّتها مقبّبة. تدلّ على هواء صاعد في تيّارات منفصلة، وغالبًا ما ترافق الطقس الجميل. لكنها إذا نمت عموديًا وأصبحت داكنة تحوّلت إلى سحابة رعدية ممطرة.
  • السحب الطبقية (Stratus): طبقة رمادية ممتدّة تغطّي السماء كبطانية، تدلّ على هواء هادئ مستقر يبرد على نطاق واسع. قد تجلب رذاذًا خفيفًا أو ضبابًا.
  • السحب الرِيشية (Cirrus): خيوط بيضاء رفيعة عالية جدًا، مكوّنة من بلورات جليد لأن الجو هناك شديد البرودة. غالبًا ما تسبق تغيّرًا في الطقس.

الفكرة الجوهرية أن السحب المنتفخة تعني هواءً يصعد بقوّة واضطراب، بينما السحب المسطّحة الممتدّة تعني هواءً يبرد بهدوء واستقرار. حين تتعلّم قراءة السماء، تصبح الغيوم كتابًا مفتوحًا يحدّثك عن الطقس القادم.

لماذا لا تسقط الغيوم؟

هنا خرافة شائعة: يظن كثيرون أن السحب تطفو لأنها أخفّ من الهواء. هذا غير دقيق. السحابة الكبيرة قد تزن ملايين الكيلوغرامات من الماء. فكيف تبقى معلّقة؟

السرّ في حجم القطرات. القطرة السحابية صغيرة جدًا، قطرها نحو جزء من مئة من المليمتر، فتسقط ببطء شديد جدًا بسبب مقاومة الهواء، تمامًا كما تسقط ذرّة غبار في شعاع الشمس ببطء بينما تسقط الحصاة بسرعة. وفي الوقت نفسه، تيّارات الهواء الصاعدة تحملها للأعلى فتوازن سقوطها البطيء. فقط حين تتّحد القطرات وتكبر بما يكفي، يعجز الهواء عن حملها فتسقط مطرًا. عندها تولد من الغيمة أمطارها.

الضباب: غيمة تلامس الأرض

ما الضباب إلا سحابة نزلت لتلامس الأرض. تحدث الظاهرة نفسها تمامًا: هواء رطب يبرد حتى يتكثّف بخاره إلى قطرات دقيقة معلّقة، لكن هذه المرّة عند مستوى أقدامنا لا في السماء. في ليلة صافية هادئة، تفقد الأرض حرارتها فيبرد الهواء الملامس لها حتى يتكثّف، فيتشكّل ضباب إشعاعي يملأ الوديان عند الفجر.

وثمّة ضباب آخر ينشأ حين يمرّ هواء دافئ رطب فوق سطح بارد، كأن يعبر هواء البحر فوق يابسة باردة، فيبرد ويتكثّف مكوّنًا ضبابًا يزحف كستار أبيض. لهذا حين تمشي في الضباب فأنت تمشي حرفيًا داخل غيمة، تلمس قطراتها وجهك.

وكما يتكوّن الضباب يتلاشى: فبمجرّد أن تُشرق الشمس وتدفّئ الأرض والهواء، تستعيد الكتلة الهوائية قدرتها على حمل البخار، فتتبخّر القطرات وتعود غير مرئية، ويرتفع الضباب كأنه لم يكن. دورة كاملة من ظهور واختفاء تتكرّر كل صباح في الوديان والسواحل، رهنًا بميزان دقيق بين حرارة الهواء ورطوبته.

لماذا بعض الغيوم بيضاء وأخرى رمادية؟

تبدو الغيوم بيضاء لأن قطراتها تشتّت ضوء الشمس بجميع ألوانه بالتساوي، ومجموع الألوان يعطي الأبيض. لكن حين تكثُف الغيمة وتزداد سماكةً، يصعب على الضوء اختراقها فيصل أقلّ منه إلى أسفلها، فنراها رمادية أو داكنة. فالسحابة الداكنة ليست مصنوعة من مادة مختلفة، بل هي ببساطة أكثف وأكثر امتلاءً بالماء.

وتلك الكثافة نذير المطر. تنمو القطرات داخل السحابة بالتصادم والاندماج حتى تثقل، وفي السحب الباردة تنمو بلورات الجليد على حساب القطرات حتى تسقط، فتذوب في طريقها نزولًا وتصل مطرًا. حين ترى غيمة قاتمة السواد، فأنت تنظر إلى خزان ماء ضخم على وشك أن يُفرغ حمولته. وحين يعترض ضوء الشمس هذه القطرات في زاوية مناسبة بعد المطر، تتفكّك ألوانه المختبئة فيرتسم قوس قزح، فتصير الغيمة نفسها لوحةً بعد أن كانت نذيرًا.

المصادر

الإدارة الوطنية للمحيطات والغلاف الجوي (NOAA) — الخدمة الوطنية للطقس؛ المنظمة العالمية للأرصاد الجوية — أطلس السحب؛ ناشيونال جيوغرافيك — قسم الطقس؛ موسوعة بريتانيكا — مادّة «Cloud».

🔬
قسم العلوم — معرفة · فريق تحرير متخصّص في معرفة

فريق تحرير مستقل يبحث في مصادر موثوقة ويراجع كل مقال قبل النشر لضمان الدقة والوضوح. المحتوى لأغراض تعليمية عامة.