كيف تتكوّن البراكين ولماذا تثور؟
📷 Björn Austmar Þórsson · Pexels✦ أهم النقاط
- البراكين ليست مجرد جبال تشتعل، بل منافذ تصل بين سطح الأرض وخزانات الصهارة في الأعماق.
- معظم البراكين تنشأ عند حدود الصفائح التكتونية، حيث تتباعد الصفائح أو تغوص إحداها تحت الأخرى.
- شدّة الثوران تعتمد على لزوجة الصهارة وكمية الغازات الذائبة فيها، لا على «غضب» الجبل.
- التنبّؤ الدقيق بموعد الثوران ما زال صعبًا، لكن أجهزة الرصد الحديثة تقلّل المفاجآت.
قف على قمة بركان هامد، وستشعر أن الأرض تحتك صلبة أبدية. لكن هذه الصلابة وهم لطيف. فعلى عمق بضع عشرات من الكيلومترات فقط، تصبح الصخور لدنة حارقة، وأحيانًا منصهرة تمامًا. البركان ليس سوى النافذة التي تطلّ منها هذه الأعماق على وجه كوكبنا، وحين تنفتح النافذة، يتغيّر المشهد من حولها في دقائق.
لنفهم كيف تتكوّن البراكين، علينا أولًا أن نصحّح فكرة شائعة: البركان ليس جبلًا «يشتعل» من الداخل كأنه موقد نار. الحرارة في باطن الأرض قديمة، بعضها بقايا من نشأة الكوكب قبل نحو 4.5 مليار سنة، وبعضها ناتج عن تحلّل عناصر مشعّة طبيعية في الصخور. هذه الحرارة هي المحرّك الخفيّ لكل ما سنرويه.
مخطّط الميزانية الشخصية
خطّط دخلك ومصروفاتك واعرف نسبة ادّخارك — برسوم حيّة.
طبقات الأرض: من القشرة إلى اللبّ
تتكوّن الأرض من طبقات كالبصلة. في الأعلى القشرة الرقيقة نسبيًا، سماكتها تحت المحيطات نحو 7 كيلومترات فقط، وتحت القارات قد تبلغ 35 كيلومترًا أو أكثر. تحتها يمتد الوشاح، وهو أضخم طبقة، صخوره صلبة لكنها تتدفّق ببطء شديد عبر ملايين السنين كأنها عجينة قاسية. وفي القلب لبّ معدني، خارجه سائل وداخله صلب رغم حرارته الهائلة، بسبب الضغط الساحق.
الجزء العلوي من الوشاح مع القشرة يشكّلان طبقة صلبة تُسمى الغلاف الصخري، وهي مقسّمة إلى ألواح عملاقة نسمّيها الصفائح التكتونية. هذه الصفائح تطفو وتتحرّك فوق طبقة أكثر ليونة، بسرعة تقارب سرعة نمو أظافرنا، بضعة سنتيمترات في السنة. حركتها البطيئة هي التي ترسم خريطة البراكين على الكوكب.
أين تولد الصهارة؟
قد تظن أن الصخر ينصهر لمجرد أنه حار، لكن الحقيقة أدقّ. في الأعماق، الصخر حار جدًا لكنه صلب لأن الضغط الهائل يمنعه من الانصهار. تنشأ الصهارة حين يختلّ هذا التوازن بإحدى ثلاث طرق: أن يهبط الضغط فجأة حين تتباعد الصفائح، أو أن يُضاف الماء إلى الصخر فيخفض درجة انصهاره، أو أن ترتفع الحرارة موضعيًا بفعل عمود حار صاعد من الأعماق.
الصهارة أخفّ من الصخر الصلب المحيط بها، لذلك تصعد كما تصعد فقاعة الزيت في الماء. تتجمّع في خزانات على أعماق متوسطة، وتنتظر. حين تجد شقًّا أو نقطة ضعف في القشرة، تشقّ طريقها إلى الأعلى. وعندما تبلغ السطح نسمّيها «لابة» أو «حِمَم».
البراكين وحدود الصفائح
أكثر من تسعين بالمئة من براكين العالم تقع عند حدود الصفائح. النوع الأول عند الحدود المتباعدة، مثل منتصف المحيط الأطلسي، حيث تنزلق الصفائح مبتعدة فتصعد الصهارة لتملأ الفراغ وتبني قشرة جديدة. والنوع الثاني عند حدود الطمر، حيث تغوص صفيحة محيطية ثقيلة تحت أخرى، فيتحرّر منها الماء إلى الوشاح فوقها ويولّد صهارة تصعد لتبني سلاسل بركانية مثل «حلقة النار» المحيطة بالمحيط الهادئ.
لكن ثمة استثناء لافت: براكين لا تقع على أي حدّ، مثل جزر هاواي في وسط المحيط الهادئ. هذه تنشأ فوق «بقع ساخنة»، أعمدة من الوشاح الحار تصعد من أعماق سحيقة وتثقب القشرة كأنها لهب شمعة تحت ورقة تتحرّك. مع انزلاق الصفيحة فوق البقعة الثابتة، تتشكّل سلسلة جزر، أقدمها أبعدها عن البقعة.
لماذا يثور بعضها بعنف وبعضها بهدوء؟
هنا يكمن سرّ يفاجئ كثيرين: عنف الثوران لا علاقة له بحجم الجبل، بل بلزوجة الصهارة والغازات الذائبة فيها. الصهارة الغنية بالسيليكا لزجة وثقيلة الحركة، تحبس الغازات بداخلها كما يحبس العسل الكثيف الفقاعات. حين يتراكم الضغط، ينفجر كل شيء دفعة واحدة في ثوران متفجّر يقذف الرماد والصخور إلى كيلومترات في السماء.
أما الصهارة الفقيرة بالسيليكا فهي سائلة رقيقة، تتركها الغازات بسهولة كفقاعات الماء الغازي حين تُفتح بلطف. لذلك تسيل حممها في أنهار حمراء هادئة نسبيًا، كما في براكين هاواي. الفكرة نفسها التي تجعل زجاجة المياه الغازية تنفجر إذا رُجّت ثم فُتحت بسرعة، وتهدأ إذا فُتحت ببطء.
هل يمكن التنبّؤ بالثوران؟
قبل أن يثور البركان، غالبًا ما يُرسل إشارات. تتضخّم قمّته بمقدار سنتيمترات مع صعود الصهارة، وتتزايد الهزّات الأرضية الصغيرة، وتتغيّر الغازات المتصاعدة من فوّهته، وترتفع حرارة الأرض حوله. يرصد العلماء هذه الإشارات بأجهزة قياس الميل وأقمار الرادار ومحطات رصد الزلازل، فيصدرون تحذيرات قد تنقذ آلاف الأرواح.
لكن التنبّؤ يبقى علمًا احتماليًا لا يقينيًا. قد تُظهر كل الإشارات أن ثورانًا وشيك ثم يهدأ البركان، وقد يثور آخر بعد صمت طويل مباغتًا الجميع. لهذا يظلّ احترام البراكين ودراستها المستمرة خطّ الدفاع الأول للملايين الذين يعيشون في ظلّها، مستفيدين من تربتها الخصبة وطاقتها الحرارية رغم خطرها.
أنواع البراكين وأشكالها
لا تتّخذ كل البراكين هيئة الجبل المخروطي الشاهق الذي نتخيّله. يحدّد نوع الصهارة وطريقة الثوران الشكل النهائي. البراكين الدرعية واسعة ومنخفضة المنحدر كدرع مبسوط على الأرض، تبنيها حمم سائلة تسيل بعيدًا قبل أن تجمد، وأشهرها براكين هاواي العملاقة. أما البراكين الطبقية المخروطية فهي الجبال الحادّة الشاهقة التي تتكوّن من طبقات متعاقبة من الحمم والرماد المتصلّب، مثل جبل فوجي في اليابان وفيزوف في إيطاليا.
وهناك أنواع أصغر مثل مخاريط الخبث التي تنشأ سريعًا حين تُقذف شظايا بركانية متطايرة فتتراكم حول فوّهة واحدة مكوّنةً تلًّا مخروطيًا. وأضخم البراكين على الإطلاق هي «البراكين الفائقة»، التي تثور نادرًا جدًا لكن بقوّة قادرة على تغيير مناخ الكوكب لسنوات، كما في منطقة يلوستون بالولايات المتحدة.
ويحدّد شكل البركان أيضًا نوع خطره: فالبراكين الدرعية الهادئة تهدّد بحممها السائلة البطيئة التي يمكن للناس الابتعاد عنها، بينما تفتك البراكين الطبقية المتفجّرة بسحبها الحارقة من الرماد والغاز التي تنحدر بسرعة تفوق سرعة السيارة، وهي ما دفن مدينة بومبي الرومانية في ساعات معدودة سنة 79 للميلاد.
هدية البراكين للحياة
رغم صورتها المرعبة، للبراكين وجه آخر كريم. فالرماد البركاني غنيّ بالمعادن، وحين يتفتّت يُنتج بعضًا من أخصب أنواع التربة على وجه الأرض، ولهذا يزرع الناس سفوح البراكين رغم خطرها. كما تُستغلّ الحرارة الجوفية القريبة من البراكين لتوليد كهرباء نظيفة في دول مثل آيسلندا التي تدفّئ بيوتها بطاقة الأرض نفسها.
بل إن للبراكين فضلًا أعمق. يرى العلماء أن الغازات المنبعثة منها عبر مليارات السنين ساهمت في تكوين الغلاف الجوي الأوّل ومياه المحيطات. فالبركان الذي يهدم قرية اليوم من سلالة براكين مهّدت لظهور الحياة نفسها. إنه قوّة تدمير وخلق في آنٍ واحد، تهدم لتبني من جديد.
المصادر
الهيئة الجيولوجية الأمريكية (USGS) — برنامج مخاطر البراكين؛ ناشيونال جيوغرافيك — قسم علوم الأرض؛ موسوعة بريتانيكا — مادّتا «Volcano» و«Plate Tectonics»؛ برنامج سميثسونيان العالمي للبراكين.