غرائب وحكايات

غرق لوسيتانيا: ثمانية عشر دقيقة غيّرت مسار حرب

غرق لوسيتانيا: ثمانية عشر دقيقة غيّرت مسار حرب📷 Sladjan Djordjevic · Pexels

✦ أهم النقاط

  • أغرقت غواصة ألمانية سفينة الركّاب البريطانية لوسيتانيا في 7 مايو 1915 قبالة سواحل أيرلندا.
  • غرقت السفينة في نحو ثمانية عشر دقيقة فقط، وراح ضحيّتها ما يقارب 1198 شخصًا بينهم مدنيّون أمريكيّون.
  • أثار «الانفجار الثاني» الغامض جدلًا طويلًا حول ما إذا كانت السفينة تحمل ذخائر حربية.
  • ساهمت الكارثة في تحوّل الرأي العامّ الأمريكي ضدّ ألمانيا، وإن لم تدخل الولايات المتّحدة الحرب إلا لاحقًا.

في ظهيرة يوم صافٍ من مايو عام 1915، كانت سفينة الركّاب العملاقة لوسيتانيا تقترب من نهاية رحلتها عبر الأطلسيّ متّجهة إلى ليفربول. على متنها ما يقارب ألفين من الركّاب والطاقم، يتناولون الغداء ويتنزّهون على السطح تحت شمس دافئة، وهم يظنّون أنّ الخطر قد وَلّى بعد أن اجتازوا معظم المحيط. لم يكن أحد منهم يعلم أنّ غوّاصة ألمانية كانت تراقبهم في صمت من تحت سطح الماء.

خلال دقائق معدودة، سيتحوّل هذا المشهد الهادئ إلى واحدة من أشهر مآسي البحر في القرن العشرين، ولغزٍ ما زال يثير النقاش حتى اليوم. دعني آخذك إلى تلك اللحظة، ثمّ نفكّك معًا الحقيقة من الأسطورة.

لقطة أموالك (Money Snapshot)

شوف مكانك المالي في ثواني: قسمة 50/30/20 ونسبة ادّخارك وكام شهر طوارئ عندك — مجانًا.

اعرف أكثر · $0

سفينة الفخر والسرعة

كانت لوسيتانيا حين دخلت الخدمة عام 1907 من أفخم وأسرع سفن الركّاب في العالم، ودرّة أسطول شركة كونارد البريطانية. مثّلت رمزًا للتقدّم التقنيّ والرفاهية العابرة للأطلسيّ، تنقل الأثرياء والمهاجرين بين أوروبا وأمريكا. لكنّها أبحرت في مايو 1915 في زمن مختلف تمامًا؛ فقد كانت الحرب العالمية الأولى مشتعلة، وأعلنت ألمانيا المياه المحيطة ببريطانيا منطقة حرب.

قبل الرحلة، نشرت السفارة الألمانية في الصحف الأمريكية تحذيرًا صريحًا للمسافرين من أنّ السفن التي ترفع العلم البريطاني معرّضة للهجوم في منطقة الحرب. لكنّ كثيرين لم يأخذوا التحذير على محمل الجدّ؛ فقد بدا من غير المتصوَّر أن تُهاجَم سفينة ركّاب مدنية مليئة بالأبرياء، ولا سيّما سفينة بسرعة لوسيتانيا التي كان يُعتقد أنّها أسرع من أن تطالها الطوربيدات.

ومع ذلك، خفّفت السفينة في تلك الرحلة من سرعتها لأسباب تتعلّق بتوفير الوقود وتشغيل عدد أقلّ من الغلايات، كما أنّها اقتربت من الساحل ودخلت مياهً كانت الغوّاصات تجوبها. اجتمعت هذه العوامل لتضعها في مرمى U-20 في اللحظة الأسوأ الممكنة، وهو ما جعل بعض المؤرّخين يتساءلون لاحقًا عن مدى كفاية الاحتياطات التي اتُّخذت لحمايتها.

الطوربيد الذي غيّر كلّ شيء

كانت الغوّاصة الألمانية U-20 بقيادة الضابط فالتر شفيغر قد أمضت أيّامًا في مياه أيرلندا تبحث عن أهداف. وفي تلك الظهيرة، ظهرت لوسيتانيا في مرمى منظاره قبالة رأس كينسيل القديم جنوب أيرلندا. أطلق طوربيدًا واحدًا اخترق جانب السفينة الأيمن، فسُمع دويّ الانفجار الأوّل الذي أحدثه اصطدامه.

لكنّ ما حيّر الجميع هو ما تلاه: انفجار ثانٍ أعنف بكثير هزّ السفينة من الداخل. مالت لوسيتانيا بسرعة مذهلة، ودخل الماء بغزارة حتى صعب إنزال قوارب النجاة، إذ كان ميلانها الشديد يجعل القوارب على أحد الجانبين معلّقة بعيدًا عن البدن، وعلى الجانب الآخر تصطدم بجسم السفينة. في نحو ثمانية عشر دقيقة فقط، اختفت السفينة العملاقة تحت الأمواج.

لغز الانفجار الثاني

هنا يبدأ اللغز الذي شغل المؤرّخين لأكثر من قرن. طوربيد واحد لا يكفي عادةً لإغراق سفينة بهذا الحجم في هذا الوقت القصير. فما الذي سبّب الانفجار الثاني؟ طرحت ألمانيا فرضية أنّ السفينة كانت تحمل ذخائر حربية سرًّا، ما جعلها هدفًا مشروعًا في نظرها وفسّر قوّة الانفجار.

والحقيقة أنّ سجلّات الشحن تؤكّد أنّ لوسيتانيا كانت تحمل بالفعل كمّيات من خراطيش البنادق وشظايا القذائف الفارغة ضمن حمولتها، وهو ما اعترفت به بريطانيا. لكنّ الخبراء اختلفوا حول ما إذا كانت هذه الذخائر كافية لإحداث انفجار بهذا الحجم. طُرحت فرضيات أخرى مقنعة: ربّما انفجار غبار الفحم المتطاير في مخازن الوقود شبه الفارغة، أو انفجار غلايات البخار حين اقتحمها الماء البارد فجأة.

لم يُحسم الجدل نهائيًّا حتى اليوم، وربّما لن يُحسم. لكنّ المهمّ أن نميّز بين ما نعرفه يقينًا وما يظلّ فرضية: نعرف يقينًا أنّ طوربيدًا واحدًا أصابها، وأنّ انفجارًا ثانيًا عجّل غرقها؛ أمّا مصدر الانفجار الثاني بالضبط فيبقى مسألة ترجيح لا قطع.

نجاة وموت في الماء البارد

من بين نحو ألف وتسعمئة إنسان على متنها، لقي ما يقارب 1198 حتفهم، بينهم أطفال ورضّع وعائلات بأكملها. لم يكن الموت في الأغلب بالانفجار نفسه، بل بالغرق والبرودة والفوضى. فالميلان الشديد والوقت القصير جعلا إنزال قوارب النجاة كابوسًا، وانقلب بعضها بمن فيه.

كان بين الضحايا مئة وثمانية وعشرون أمريكيًّا، وهذا التفصيل تحديدًا هو ما رفع الحدث من مأساة بحرية إلى زلزال سياسيّ. فقد كانت الولايات المتّحدة لا تزال محايدة، ورأى كثير من الأمريكيّين في غرق سفينة مدنية تحمل مواطنيهم عملًا وحشيًّا يصعب تبريره.

تروي شهادات الناجين مشاهد لا تُنسى: أمّهات يتشبّثن بأطفالهنّ في الماء المتجمّد، وركّاب يقفزون من ارتفاعات شاهقة، وقوارب صغيرة من قرى الصيد المجاورة تهرع لانتشال من بقي على قيد الحياة. أمضى بعض الناجين ساعات في الماء البارد قبل أن يُنتشلوا، ومنهم من لم يحتمل جسده تلك البرودة رغم نجاته من الغرق. تلك التفاصيل الإنسانية هي ما يمنح الأرقام الجافّة وجهها الحقيقيّ.

كيف حرّكت لوسيتانيا مجرى الحرب؟

من السهل أن نظنّ أنّ غرق لوسيتانيا هو ما أدخل أمريكا الحرب، لكنّ الحقيقة أدقّ من ذلك. لم تدخل الولايات المتّحدة الحرب إثر الحادثة مباشرة، بل ظلّت محايدة نحو عامين آخرين. غير أنّ الكارثة أحدثت تحوّلًا عميقًا في الرأي العامّ الأمريكيّ، وحوّلت صورة ألمانيا في الأذهان إلى قوّة لا تتورّع عن قتل المدنيّين.

استغلّت الدعاية البريطانية الحدث ببراعة لتصوير ألمانيا وحشًا، بينما تراجعت ألمانيا مؤقّتًا وقيّدت حرب غوّاصاتها تفاديًا لاستفزاز أمريكا. وحين استأنفت لاحقًا حرب الغوّاصات غير المقيّدة عام 1917، كان الرأي العامّ الأمريكيّ قد تهيّأ بالفعل، فجاء إعلان الحرب حينها أسهل قبولًا. بهذا المعنى، لم تُشعل لوسيتانيا الحرب، لكنّها مهّدت الطريق نفسيًّا لدخول أمريكا فيها.

ما يبقى من الحكاية

تظلّ لوسيتانيا درسًا في كيف يمكن لحدث واحد أن يتجاوز حجمه المادّيّ ليصبح رمزًا. فالسفينة لم تكن مجرّد ضحية حرب، بل صارت نقطة يلتقي فيها التاريخ العسكريّ والسياسيّ والأخلاقيّ: سؤال ما إذا كان يجوز استهداف سفينة مدنية، ولغز ما كانت تخفيه في مخازنها، وثمن الأرواح الذي تدفعه دائمًا الشعوب لا القادة.

وحتى اليوم يرقد حطامها في قاع البحر قبالة أيرلندا، يزوره الغوّاصون ويدرسه الباحثون، بحثًا عن إجابات قد لا تُنتزع كاملة أبدًا. لكنّ أهمّ ما تعلّمنا إيّاه أنّ الحقيقة التاريخية نادرًا ما تكون بسيطة، وأنّ فصل الوقائع الثابتة عن الفرضيات هو جوهر فهم الماضي بأمانة.

المصادر

موسوعة بريتانيكا (مدخل Lusitania)؛ متحف الحرب الإمبراطوري البريطاني؛ هيئة الإذاعة البريطانية BBC؛ سجلّات شركة كونارد والأرشيفات البحرية للحرب العالمية الأولى.

🌍
قسم القصص والتاريخ — معرفة · فريق تحرير متخصّص في معرفة

فريق تحرير مستقل يبحث في مصادر موثوقة ويراجع كل مقال قبل النشر لضمان الدقة والوضوح. المحتوى لأغراض تعليمية عامة.