غرائب وحكايات

لغز ستونهنج: من رفع هذه الحجارة العملاقة قبل خمسة آلاف عام؟

لغز ستونهنج: من رفع هذه الحجارة العملاقة قبل خمسة آلاف عام؟📷 Harry Shum · Pexels

✦ أهم النقاط

  • ستونهنج نصب حجريّ في إنجلترا عمره نحو خمسة آلاف عام.
  • بعض حجارته جُلبت من مسافة مئات الكيلومترات بطرق ما زالت مذهلة.
  • الأرجح أنه استُخدم لأغراض فلكية وطقوسية ودفن.
  • يظلّ شاهدًا على قدرة إنسان العصر الحجريّ على تنظيم عمل هائل.

في سهل أخضر مفتوح جنوب إنجلترا، تقف حلقة من الحجارة العملاقة صامتة منذ خمسة آلاف عام. بعضها يفوق ارتفاع الإنسان بمرّات ويزن أطنانًا، منصوبة بعناية في دائرة، بعضها متوّج بحجارة أفقية كأنها أبواب إلى السماء. إنه ستونهنج، أحد أشهر ألغاز العالم القديم، الذي ما زال يطرح ثلاثة أسئلة لم تُحسم كلها بعد: من؟ وكيف؟ ولماذا؟

من بناه؟

بناه سكّان بريطانيا في العصر الحجريّ الحديث، قبل نحو خمسة آلاف عام، على مراحل امتدّت قرونًا. لم يكونوا «بدائيّين» كما نتخيّل؛ فبناء نصب بهذه الدقّة يتطلّب تنظيمًا اجتماعيًّا، وتخطيطًا، وتعاون أعداد كبيرة من البشر عبر أجيال. مجرّد قدرتهم على إدارة مشروع يمتدّ قرونًا دون تدوين هو إنجاز يستحقّ الدهشة قبل أن نصل حتى إلى الحجارة نفسها.

لقطة أموالك (Money Snapshot)

شوف مكانك المالي في ثواني: قسمة 50/30/20 ونسبة ادّخارك وكام شهر طوارئ عندك — مجانًا.

اعرف أكثر · $0

كيف حرّكوا الحجارة؟

هنا يكمن أحد أعمق الألغاز. بعض حجارة ستونهنج الأصغر، المعروفة بـ«الحجارة الزرقاء»، جُلبت من جبال في ويلز على بُعد مئات الكيلومترات. كيف نُقلت كتل تزن أطنانًا هذه المسافة الهائلة دون عجلات ولا آلات؟ يرجّح الباحثون استخدام الزلّاجات الخشبية، والحبال، وربّما الأنهار والبحر في أجزاء من الرحلة، بجهد جماعيّ منظّم. أمّا الحجارة الأكبر فجُلبت من مسافة أقرب. الطريقة الدقيقة ما زالت محلّ بحث، لكنها بلا شكّ إنجاز هندسيّ بشريّ خالص.

ولماذا بُني أصلًا؟

الغرض من ستونهنج هو اللغز الأكثر جدلًا. الأدلّة ترجّح أنه كان مرصدًا فلكيًّا بشكل ما، إذ تصطفّ حجارته مع شروق الشمس في الانقلاب الصيفيّ وغروبها في الشتويّ، ما يجعله تقويمًا حجريًّا يرصد مواسم السنة. كما وُجدت حوله بقايا دفن، فيُرجَّح أنه كان أيضًا موقعًا مقدّسًا للطقوس وتكريم الموتى. الأرجح أنه جمع بين كل هذه الأدوار: مكان يربط السماء بالأرض في وعي أولئك البشر.

بُني على مراحل عبر قرون طويلة

من أكثر ما يُدهش في ستونهنج أنه لم يُبنَ دفعةً واحدة، بل تطوّر على مراحل امتدّت نحو ألف وخمسمئة عام. بدأ الموقع كحفرة دائرية ومسنّمات ترابية قبل نحو خمسة آلاف عام، ثم أُضيفت الحجارة على مراحل لاحقة، وأُعيد ترتيبها أكثر من مرّة عبر الأجيال. هذا يعني أن أجيالًا متعاقبة من البشر، لا جيلًا واحدًا، حملت الحلم وأكملت ما بدأه الأسلاف. تخيّل مشروعًا يمتدّ لقرون دون مخطّطات مكتوبة ولا ذاكرة مدوّنة — يُنقل من أب لابن عبر التقليد الشفهيّ وحده. هذا وحده إنجاز حضاريّ يفوق الحجارة في دلالته.

الحجارة الزرقاء ولغز رحلتها

أصغر حجارة ستونهنج، المعروفة بـ«الحجارة الزرقاء»، هي أعمق ألغازه. فقد ثبت أن مصدرها تلال «بريسيلي» في ويلز، على بُعد نحو مئتَي كيلومتر. أن يُنقل عشرات الكتل التي يزن الواحد منها أطنانًا هذه المسافة الهائلة، في زمن لا عجلات فيه ولا معادن، أمر يحيّر العقل. يرجّح الباحثون مزيجًا من الوسائل: زلّاجات خشبية تُجرّ على جذوع دوّارة، وحبال، وربّما نقل جزء من الطريق عبر الأنهار والبحر على أطواف. ورغم اختلاف التفاصيل، يتّفق العلماء على أنه إنجاز بشريّ خالص، لا يحتاج تفسيرًا خارقًا — بل يحتاج فقط أن نقدّر عزيمة أولئك البشر.

ستونهنج كتقويم يقرأ الشمس

لماذا يهتمّ الناس بستونهنج حتى اليوم؟ جزء من السرّ في علاقته الدقيقة بالسماء. فحجارته الرئيسية مصفوفة بحيث تشير إلى شروق الشمس في يوم الانقلاب الصيفيّ (أطول أيام السنة) وغروبها في الانقلاب الشتويّ. هذا يجعله أشبه بساعة حجرية عملاقة أو تقويم يرصد دورة السنة ومواسمها — أمرٌ كان حيويًّا لمجتمع زراعيّ يعتمد على معرفة مواعيد الزرع والحصاد. أن يبني قوم بأدوات بسيطة أداة فلكية بهذه الدقّة يكشف أنهم راقبوا السماء بعناية عميقة، وأنّ فضول الإنسان لفهم الكون قديم قِدَم الحضارة نفسها.

ما الذي يبقى بعد خمسة آلاف عام؟

قد لا نعرف يومًا كل تفاصيل ستونهنج، لكن ربّما هذا جزء من سحره. فهو يذكّرنا بأن البشر، منذ فجر حضارتهم، رفعوا أنظارهم إلى السماء وسعوا لفهم الزمن والمواسم والموت، وكانوا مستعدّين لبذل جهد جبّار من أجل معنى يؤمنون به. تلك الحجارة الصامتة ليست مجرّد صخور، بل رسالة عبر خمسة آلاف عام تقول: نحن أيضًا تساءلنا، وبنينا، وآمنّا بشيء أكبر منّا.

ستونهنج لم يكن وحيدًا: مشهد طقوسي كامل

من الخطأ أن نتخيّل ستونهنج حجارةً منعزلة وسط سهل فارغ. الحقيقة أنّه كان قلب منظومة شاسعة من المعالم امتدّت عبر سهل سالزبري. على بُعد كيلومترات قليلة يقع «دورينغتون وولز»، أكبر تجمّع سكني معروف من ذلك العصر في بريطانيا، حيث يُرجَّح أن سكن بناة ستونهنج واحتفلوا وأقاموا ولائمهم الموسمية.

وثمة طريق احتفالي يُعرف بـ«الجادّة» يربط الدائرة الحجرية بنهر آفون، ما يوحي بمواكب كانت تسير في مسار محدّد نحو المعبد. حين ننظر إلى الموقع بهذه العين، يتحوّل من نصب غامض منفرد إلى مسرحٍ ضمن جغرافيا مقدّسة متكاملة، صمّمها بناؤها بعناية لتوجّه حركة الناس وطقوسهم.

حين كان ستونهنج مقبرة

قد يفاجئك أنّ ستونهنج، قبل أن تكتمل حلقاته الحجرية الضخمة، كان أحد أقدم وأكبر مدافن الرماد في بريطانيا. فقد كشفت الحفريات عن بقايا عشرات الأفراد ممن حُرقت جثامينهم ثم دُفنت داخل حُفَر دائرية تُعرف بـ«حُفَر أوبري» عند حافة الموقع، ويعود بعضها إلى أقدم مراحل البناء.

تحليل هذه البقايا كشف تفاصيل مؤثّرة: رجال ونساء وأطفال، وبعضهم لم يكن من أهل المنطقة أصلًا. هذا يدفع كثيرًا من الباحثين إلى القول إنّ ستونهنج ارتبط منذ نشأته بالموت والذاكرة والتكريم، فكان مكانًا يجتمع فيه الأحياء ليودّعوا موتاهم ويصلوا ماضيهم بحاضرهم.

من كان يبنيه؟ ما ترويه العظام والجينات

لعقود طويلة ظلّ سؤال «من هؤلاء الناس؟» لغزًا. لكنّ الدراسات الجينية الحديثة على رفات ذلك العصر رسمت صورة أوضح. فالمزارعون الأوائل الذين عمّروا بريطانيا وأقاموا مثل هذه المعالم انحدروا من أصول وصلت في النهاية إلى الأناضول، وحملوا معهم الزراعة وتقاليد بناء المقابر الحجرية أثناء انتشارهم عبر أوروبا.

ثم جاءت موجة أخرى بعد اكتمال ستونهنج بقرون: «شعب الأواني الخزفية» الذي حمل معارف المعادن وثقافة مختلفة، وأحدث تبدّلًا كبيرًا في سكان الجزيرة. هكذا لم يكن الموقع نتاج شعب واحد ثابت، بل شهد تعاقب مجتمعاتٍ تناوبت على توارثه وإعادة تفسيره عبر الأجيال.

كيف يعرف الأثريون كلّ هذا؟

دعني أخبرك أنّ ما نعرفه عن ستونهنج لم يأتِ من نصوص مكتوبة، فبناؤه سبقوا الكتابة في هذه البقعة بآلاف السنين. كلّ ما لدينا مستخلَص من الأرض نفسها: طبقات التربة، وحفر الأعمدة، وشظايا الأدوات، والعظام. والتأريخ بالكربون المشعّ هو الأداة التي تتيح تحديد أعمار البقايا العضوية وربط مراحل البناء بتسلسل زمني.

وقد بدأ الاهتمام العلمي مبكرًا مع باحثين فضوليين في القرون الماضية رسموا الموقع وسجّلوا ملاحظاتهم، ثم تطوّرت الأدوات حتى صار المسح الجيوفيزيائي يكشف اليوم ما تحت السطح دون حفر. ومع كلّ موسم بحث تتبدّل بعض فرضياتنا، وهو ما يجعل ستونهنج لغزًا حيًّا لا يكفّ عن مراجعة نفسه.

ستونهنج في مخيّلة البشر

ما إن غابت هوية بناته الحقيقيين حتى امتلأ الفراغ بالأساطير. في القرون الوسطى نسج الكاتب جيفري أوف مونماوث حكاية تنسب رفع الحجارة إلى الساحر مرلين الذي نقلها بالسحر من أيرلندا. وفي عصور لاحقة رُبط الموقع بكهنة الدرويد، رغم أنّه أقدم منهم بآلاف السنين، لكنّ الصورة الرومانسية رسخت في الأذهان.

واليوم ما زال ستونهنج يستقطب آلاف الزوّار عند انقلابَي الصيف والشتاء، يجتمعون لمشاهدة الشمس تصطفّ مع الحجارة كما فعل أسلافهم قبل خمسة آلاف عام. بهذا المعنى لم يمُت الموقع أبدًا؛ فهو يواصل أداء وظيفته الأولى — أن يجمع الناس حول لحظة سماوية — وإن تبدّلت معانيها في قلوبهم.

🌍
قسم القصص والتاريخ — معرفة · فريق تحرير متخصّص في معرفة

فريق تحرير مستقل يبحث في مصادر موثوقة ويراجع كل مقال قبل النشر لضمان الدقة والوضوح. المحتوى لأغراض تعليمية عامة.