مكتبة الإسكندرية القديمة: حلم جمع كل معارف العالم في مكان واحد
📷 Mikhail Nilov · Pexels✦ أهم النقاط
- تأسّست المكتبة في الإسكندرية في مطلع القرن الثالث قبل الميلاد ضمن مؤسّسة بحثية أوسع هي "الموسيون".
- سعت لجمع نسخة من كل كتاب معروف، وقُدّرت مقتنياتها بمئات الآلاف من لفائف البردي.
- عمل فيها علماء كبار في الرياضيات والفلك والطب والنقد الأدبي مثل إقليدس وإراتوستينس.
- استخدمت طرقًا حازمة لاقتناء المخطوطات، منها نسخ كتب السفن الراسية في الميناء والاحتفاظ بالأصول.
- لم تُدمَّر في حريق واحد، بل تراجعت تدريجيًّا عبر قرون بسبب حروب وإهمال وتحوّلات سياسية واقتصادية.
تخيّل غرفة يمتدّ فيها الرفّ بعد الرفّ، تحمل عليها لفائف البردي مرتّبة ومعلّمة بأسماء أصحابها، وبينها يتنقّل نسّاخ ومترجمون وعلماء قادمون من أثينا وسرقوسة وبابل. لم تكن هذه مجرّد خزانة كتب، بل كانت أوّل محاولة منظّمة في التاريخ لتجميع معرفة البشرية كلّها في سقفٍ واحد. تلك كانت مكتبة الإسكندرية، الحلم الذي راود ملوك مصر البطالمة فحوّلوا مدينتهم الساحلية إلى عاصمةٍ للعقل في العالم القديم.
ميلاد فكرة جريئة
بعد وفاة الإسكندر الأكبر، ورث بطلميوس الأول مصر وأراد أن يجعل الإسكندرية منافسًا لأثينا في مكانتها الفكرية. أنشأ مؤسّسة عُرفت باسم "الموسيون" أي معبد ربّات الفنون، وكانت أشبه بأكاديمية أو مركز بحثٍ متكامل يضمّ قاعات للدرس وحدائق ومرصدًا ومكانًا للطعام المشترك. وفي قلب هذا المجمّع، أو قريبًا منه، قامت المكتبة الكبرى. يُنسب دفع المشروع إلى مستشار الملك الفيلسوف ديمتريوس الفاليري، بينما ازدهرت المكتبة على يد بطلميوس الثاني الذي وسّع مقتنياتها بلا حدود.
لقطة أموالك (Money Snapshot)
شوف مكانك المالي في ثواني: قسمة 50/30/20 ونسبة ادّخارك وكام شهر طوارئ عندك — مجانًا.
كان الطموح المعلن مذهلًا: أن تقتني المكتبة نسخة من كل كتاب كُتب على وجه الأرض، في اليونانية وغيرها من اللغات مترجمة. لم يكن الهدف الاقتناء للزينة، بل بناء مرجعٍ شامل يتيح للعلماء مقارنة النصوص وتصحيحها ومواصلة البناء عليها.
كيف جمعت المكتبة كنوزها؟
لتحقيق هذا الطموح لجأ البطالمة إلى وسائل متنوّعة، بعضها كريم وبعضها حازم إلى حدّ الطرافة. أرسلوا مبعوثين ووكلاء لشراء المخطوطات من أسواق الكتب في أنحاء المتوسّط، وخصّوا ميزانيات ضخمة لهذا الغرض. وتروي المصادر أنّ أيّ سفينة ترسو في ميناء الإسكندرية كان يُفتّش حمولتها عن الكتب، فتُصادر مؤقّتًا وتُنسخ في المكتبة، ثم تُعاد النسخة إلى صاحبها بينما يُحتفظ بالأصل — وهي طريقة عُرفت لاحقًا باسم "كتب السفن".
وفي حادثة مشهورة، استعار بطلميوس الثالث من أثينا النصوص الرسمية الأصلية لمسرحيّات كبار الشعراء التراجيديين مقابل وديعة مالية كبيرة، ثم فضّل أن يخسر الوديعة ويحتفظ بالأصول، مرسلًا نسخًا بدلًا منها. هذه القصص، سواء صحّت كلّها أم بولغ فيها، تعكس شغفًا استثنائيًّا بالجمع كان يفوق أحيانًا اعتبارات الأمانة.
علماء غيّروا وجه المعرفة
لم تكن قيمة المكتبة في عدد لفائفها فحسب، بل في العقول التي اجتذبتها. هنا يُرجّح أنّ إقليدس وضع أصوله في الهندسة التي ظلّت تُدرَّس أكثر من ألفي عام. وهنا حسب إراتوستينس محيط الأرض بدقّة مذهلة معتمدًا على زوايا ظلال الشمس، وهو الذي أدار المكتبة نفسها فترة. وعمل في محيطها فلكيّون قاسوا حركة النجوم، وأطبّاء طوّروا معرفتهم بالتشريح، ونحويّون أسّسوا علم النقد الأدبي حين راجعوا نصوص هوميروس ورتّبوها وميّزوا الأصيل من المنحول.
كان الموسيون يوفّر لهؤلاء رواتب وإقامة وفراغًا للتفرّغ للبحث، في نموذجٍ مبكّر لما نسمّيه اليوم التمويل العلمي. وبهذا صارت الإسكندرية مركزًا لا يُجاريه في العالم الهلنستي، يقصده طلّاب العلم من كل مكان.
تصحيح أسطورة الحريق الواحد
شاع في المخيّلة الشعبية أنّ المكتبة العظيمة أُبيدت في ليلة واحدة بحريقٍ هائل محا معرفة العالم دفعةً واحدة. الحقيقة التي يتّفق عليها المؤرّخون أكثر تعقيدًا وأقلّ درامية: فالمكتبة لم تنتهِ بضربة واحدة، بل اضمحلّت تدريجيًّا على مدى قرون ولأسبابٍ متراكمة.
من هذه الأسباب حريق نشب في أثناء حصار يوليوس قيصر للإسكندرية عام 48 قبل الميلاد، حين امتدّت النيران من السفن في الميناء وربّما أتلفت مخازن كتب قرب الرصيف؛ لكنّ المؤسّسة استمرّت بعده. ومنها تراجع الرعاية الملكية والدعم المالي مع ضعف الأسرة البطلمية، إذ طرد أحد الملوك العلماء من المدينة في اضطراباته السياسية. ومنها الاضطرابات في العصر الروماني، وتحوّل مركز الثقل الفكري تدريجيًّا، وتلف لفائف البردي نفسها التي تحتاج نسخًا وصيانة دائمة وإلّا تفتّتت.
بمرور الزمن تقلّصت المقتنيات وتناقص روّاد المكتبة، حتى لم يعد لها في المصادر ذكرٌ واضح كمؤسّسة عاملة. أي أنّ ما جرى كان موتًا بطيئًا بفعل الحروب والإهمال وتبدّل الأولويات، لا كارثةً واحدة يسهل تحميلها لطرفٍ بعينه. وهذا الفهم أدقّ وأنفع، لأنّه يذكّرنا أنّ المعرفة تُفقد غالبًا حين يتوقّف الناس عن الاعتناء بها لا حين تلتهمها النار وحدها.
ماذا بقي من الحلم؟
لم ينجُ من مقتنيات المكتبة الأصلية سوى نصوصٍ وصلتنا عبر نسخٍ لاحقة تناقلتها حضارات أخرى، بينها الحضارة العربية الإسلامية التي ترجمت كثيرًا من التراث اليوناني وحفظته وطوّرته في بيت الحكمة ببغداد وغيره. أمّا المكتبة كمبنى فلم يبقَ منها أثر مؤكّد يمكن زيارته. لكنّ فكرتها بقيت حيّة: أن يكون للبشرية مكان تجمع فيه معرفتها وتتيحها للجميع.
وتكريمًا لهذا الإرث، افتُتحت في مطلع الألفية الثالثة "مكتبة الإسكندرية" الجديدة على الساحل نفسه، لتكون مكتبة ومركزًا ثقافيًّا يستلهم روح سابقتها القديمة. إنّها ليست البناء ذاته ولا مقتنياته، لكنّها استمرار للحلم الأصلي: أنّ جمع المعرفة ونشرها فعلٌ يستحقّ أن تُبنى له الصروح.
ولإدراك ضخامة المشروع، يكفي أن نتخيّل حجم العمل اليدوي الذي تطلّبه. لم تكن هناك طباعة، فكل لفافة كان يجب نسخها بخطّ اليد على ورق البردي المصنوع من نبات ينمو على ضفاف النيل. وكان النسّاخ يعملون بأعداد كبيرة، بينما يتولّى أمناء المكتبة تصنيف اللفائف وفهرستها بحسب الموضوع والمؤلّف. ويُنسب إلى الشاعر والعالم كاليماخوس وضع فهرس ضخم عُرف باسم "البيناكيس"، رتّب فيه المؤلّفين والأعمال في فئات، فكان أشبه بأوّل فهرسٍ مكتبيّ منظّم في التاريخ.
ولم تقتصر مقتنيات المكتبة على النصوص اليونانية، بل سعت إلى ترجمة معارف الأمم الأخرى. ومن أشهر ثمار هذا التوجّه ترجمة نصوصٍ دينية وقانونية وعلمية من لغاتٍ متعدّدة، إذ رأى البطالمة أنّ جمع المعرفة لا يكتمل ما لم يشمل حكمة المصريين والبابليين وغيرهم إلى جانب اليونان. بهذا صارت الإسكندرية جسرًا بين حضارات المتوسّط والشرق، ومكانًا تتلاقح فيه الأفكار وتُحفظ فيه العلوم من الضياع.
وقد أثمر هذا الجوّ العلمي نتائج باهرة في مختلف الميادين. ففي الطبّ، أُجريت دراسات رائدة في التشريح ووظائف الأعضاء. وفي الجغرافيا، رُسمت خرائط أكثر دقّة للعالم المعروف. وفي الأدب، وُضعت أسس تحقيق النصوص ونقدها التي ما زالت جامعات اليوم تسير على نهجها. لم تكن المكتبة إذن مستودعًا جامدًا، بل ورشةً حيّة تُنتج المعرفة بقدر ما تحفظها، وتربّي أجيالًا من العلماء يحملون شعلتها إلى بلدانهم.
ويجدر التنبيه إلى أنّ الإسكندرية عرفت أكثر من مكتبة؛ فإلى جانب المكتبة الكبرى الملحقة بالموسيون، قامت مكتبة "فرعية" أصغر ارتبطت بمعبد السرابيوم، خُصّصت لخدمة جمهور أوسع من طلبة العلم. هذا التعدّد يفسّر جزءًا من الالتباس في الروايات القديمة حول مصير المكتبة، إذ خلط بعض الكتّاب بين المؤسّستين، فنُسب دمار إحداهما إلى الأخرى، وتضخّمت الحكاية جيلًا بعد جيل حتى استقرّت في الأذهان صورة مبسّطة لا تطابق الواقع المركّب.