غرائب وحكايات

سُقُطرى: الجزيرة العربية التي تشبه كوكبًا آخر — وأشجار تنزف دمًا أحمر

سُقُطرى: الجزيرة العربية التي تشبه كوكبًا آخر — وأشجار تنزف دمًا أحمر📷 R.J. Sterk · Pexels

✦ أهم النقاط

  • سُقُطرى جزيرة يمنية في المحيط الهندي انفصلت عن اليابسة قبل 6–7 ملايين سنة، فتطوّرت فيها أنواع فريدة.
  • شجرة دم الأخوين بتاجها كالمظلّة تجمع الضباب لتروي نفسها، وراتنجها الأحمر كان سلعة تجارية قديمة.
  • نحو ثلث نباتات الجزيرة لا وجود له في أي مكان آخر؛ لذلك أدرجتها اليونسكو تراثًا عالميًّا عام 2008.
  • الأنواع الدخيلة والأعاصير المتصاعدة تهدّد هذا التوازن الهشّ، وأشجارها المعمّرة تشيخ بلا خلَف كافٍ.

دعني آخذك إلى مكان قد لا تصدّق أنه ينتمي إلى كوكبنا. تخيّل أنك تنزل من قارب صغير على شاطئ أبيض ناعم، ثم تصعد سفحًا حجريًا حتى تبلغ هضبة عالية. وهناك، أمام عينيك مباشرة، تنتشر أشجار غريبة تشبه المظلات المقلوبة أو الفطر العملاق: جذوع سميكة تتفرّع فجأة في الأعلى إلى تاج كثيف مستوٍ كأن يدًا خفية سوّته بمسطرة. حين تجرح لحاء هذه الشجرة يسيل منها سائل أحمر قانٍ كالدم. أنت الآن في سُقُطرى، الجزيرة العربية التي وصفها العلماء بأنها «أقرب ما يكون إلى كوكب آخر على سطح الأرض».

سُقُطرى ليست خيالًا ولا موقع تصوير لفيلم خيال علمي؛ إنها جزيرة يمنية حقيقية تقع في المحيط الهندي، على بُعد نحو ثلاثمئة وأربعين كيلومترًا جنوب شرق الساحل اليمني، وأقرب إلى القرن الأفريقي منها إلى قلب الجزيرة العربية. مساحتها تقارب ثلاثة آلاف وستمئة كيلومتر مربع، ويعيش عليها عشرات الآلاف من البشر منذ آلاف السنين. لكن ما يجعلها استثنائية ليس البشر، بل ما نبت فيها من كائنات لا وجود لها في أي مكان آخر على الأرض إطلاقًا.

لقطة أموالك (Money Snapshot)

شوف مكانك المالي في ثواني: قسمة 50/30/20 ونسبة ادّخارك وكام شهر طوارئ عندك — مجانًا.

اعرف أكثر · $0

السرّ في كلمة واحدة: العُزلة. انفصلت سُقُطرى عن اليابسة الأمّ قبل نحو ستة إلى سبعة ملايين سنة، وربما أبكر من ذلك. وحين تنعزل قطعة من الأرض بهذا الطول من الزمن، تسلك الحياة فيها طريقًا خاصًّا بها. النباتات والحيوانات التي علقت على الجزيرة تكيّفت مع مناخها الجاف ورياحها الموسمية القاسية وتربتها الفقيرة، جيلًا بعد جيل، حتى تحوّلت إلى أنواع جديدة تمامًا. هذه العملية نفسها هي التي جعلت جزر غالاباغوس مختبرًا ألهم داروين؛ ولهذا يسمّي كثيرون سُقُطرى «غالاباغوس المحيط الهندي».

نجمة الجزيرة بلا منازع هي شجرة «دم الأخوين» أو دم التنّين (Dracaena cinnabari). شكلها المقلوب ليس عبثًا جماليًّا؛ إنه هندسة بقاء. التاج الكثيف المستوي يعمل كمظلّة تجمع الضباب والندى وتوجّههما نحو الجذع ثم الجذور، بينما يظلّل التربة تحته فيقلّل تبخّر الماء الشحيح. أما الراتنج الأحمر الذي يسيل عند الجرح — والذي منحها اسمها المخيف — فقد كان لقرون سلعة تجارية ثمينة؛ استعمله القدماء صبغةً ودواءً وحبرًا، وحملته السفن من هذه الجزيرة النائية إلى أسواق البحر المتوسط.

لكن دم الأخوين ليست وحدها. سُقُطرى موطن لمئات الأنواع النباتية التي لا تنمو في غيرها، من بينها شجرة الخيار الصحراوي (Dendrosicyos socotranus)، وهي الشجرة الوحيدة في العالم من فصيلة القرعيات — أي إن أقرب أقربائها هو الخيار الذي في مطبخك، لكنها ضخمت جذعها حتى صار منتفخًا كقربة ماء ليخزّن السوائل في وجه الجفاف. تكرّر هذا المشهد في أنواع أخرى: نباتات تحوّرت أجسامها لتصبح خزّانات حيّة، في مشهد يبدو أشبه بمعرض للنحت الطبيعي منه بغابة.

وحين ننتقل من النبات إلى الحيوان، تزداد الدهشة. فالطيور في سُقُطرى تحمل بصمتها الخاصة؛ هناك أنواع مثل عصفور سُقُطرى وأبو الحنّاء السُّقُطري لا تراها في أي سماء أخرى. ومع أن الجزيرة تكاد تخلو من الثدييات البرّية الأصلية الكبيرة، فإنها غنية بالزواحف التي تطوّر معظمها محلّيًّا، وبعالم من الحلزون والحشرات ما زال العلماء يكتشفون منه أنواعًا جديدة حتى اليوم. تخيّل أن تمشي في وادٍ واحد فتكون قد رأيت كائنات لم تُسجَّل من قبل في أي كتاب.

وللجزيرة وجه إنسانيّ لا يقلّ ندرةً عن نباتاتها. فأهل سُقُطرى يتحدّثون «اللغة السُّقُطرية»، وهي لسان ساميّ عريق ظلّ شفهيًّا بلا كتابة عبر القرون، ويُعدّ من أقدم الألسن الحيّة في الجزيرة العربية وأكثرها احتفاظًا بملامح قديمة اندثرت في غيرها. في هذه اللغة كمٌّ هائل من المفردات الدقيقة لوصف النخيل والماشية والمواسم والرياح، وهي معرفة بيئية متوارثة ساعدت السكّان على العيش في أرض قاسية دون أن يستنزفوها. وحين تندثر لغة كهذه لا نخسر كلمات فحسب، بل نخسر طريقة كاملة في فهم المكان.

ولأن الخطر صار واضحًا، تحرّكت جهود لحماية الجزيرة: مشاتل لإنبات صغار دم الأخوين وحمايتها بأسوار من الماعز حتى تشتدّ، وبرامج لإشراك الأهالي أنفسهم في المراقبة والحفظ لأنهم أدرى الناس بأرضهم، ومحاولات لتنظيم السياحة البيئية بحيث تعود بالنفع على السكّان دون أن تدهس ما جاء الزوّار لرؤيته. النجاح هنا ليس مضمونًا، لكنه ممكن؛ وقصص جزر أخرى تعافت بعد أن كادت تفقد كنوزها تمنحنا سببًا للأمل.

لنضع بعض هذه العجائب في صورة واحدة:

الكائن ما يميّزه لماذا هو فريد
دم الأخوين (دم التنّين) تاج كالمظلّة وراتنج أحمر يجمع الضباب ليروي نفسه؛ رمز الجزيرة
شجرة الخيار الصحراوي جذع منتفخ يخزّن الماء الشجرة الوحيدة في العالم من فصيلة الخيار
الورد الصحراوي السُّقُطري جذع ضخم كقاعدة فيل وأزهار وردية يزهر متشبّثًا بالصخر العاري
عصفور سُقُطرى طائر صغير مستوطن لا يعيش على أي جزيرة أخرى
اللبان والمُرّ السُّقُطري أنواع خاصة بالجزيرة من أقدم سلع التجارة العربية القديمة

هذا الثراء لم يمرّ دون أن يلحظه العالم. ففي عام 2008 أدرجت منظمة اليونسكو أرخبيل سُقُطرى على قائمة التراث العالمي، معتبرةً إياه ذا «أهمية عالمية استثنائية للتنوّع الحيوي». تقول التقديرات إن نحو ثلث أنواع نباتاتها لا وجود له في أي مكان آخر — نسبة نادرة جدًّا تضعها في مصافّ أغنى بقاع الأرض تفرّدًا، جنبًا إلى جنب مع غالاباغوس وهاواي.

ومع ذلك، فإن هذا الكنز هشّ. الجزيرة التي حمتها عزلتها ملايين السنين صارت اليوم مكشوفة أمام ضغوط لم تعرفها من قبل. الأنواع الدخيلة التي يجلبها البشر — من ماعز يرعى الشتلات الصغيرة قبل أن تكبر، إلى نباتات غريبة تنافس المحلّية — تهدّد التوازن الدقيق. وأشجار دم الأخوين المعمّرة تشيخ ولا تجد ما يكفي من الصغار ليحلّ محلّها، لأن صغارها تُلتهم أو تجفّ. يضاف إلى ذلك تصاعد وتيرة الأعاصير المدارية التي ضربت الجزيرة في السنوات الأخيرة بقوّة غير مألوفة، فاقتلعت آلاف الأشجار في ساعات.

من المغري أن ننظر إلى سُقُطرى كأنها متحف بعيد لا يخصّنا. لكن الحقيقة أنها جزء من إرثنا العربي المشترك، وأن ما يجري فيها هو نسخة مصغّرة ومكثّفة مما يجري لكوكبنا كلّه: تنوّع أنتجته ملايين السنين، ونحن قادرون على تبديده في عقود قليلة إن لم ننتبه. الجزيرة تعلّمنا درسًا بليغًا في أن الحياة، حين تُترك وشأنها زمنًا كافيًا، تبتكر من الحلول ما يفوق خيالنا؛ وأن هذه الابتكارات، رغم عظمتها، تظلّ قابلة للكسر.

إن أردت أن تتخيّل المشهد الأخير: أشجار دم الأخوين واقفة على حافة هضبة، والضباب يتسلّل بين تيجانها المستوية عند الغروب، والراتنج الأحمر يتخثّر ببطء على لحاء متشقّق شهد آلاف السنين. ليست هذه لوحة من كوكب آخر؛ إنها بقعة من أرضنا، صمدت طويلًا، وتنتظر منّا اليوم أن ننتبه إليها قبل أن تصير مجرّد صورة في كتاب.

المصادر

🌍
قسم القصص والتاريخ — معرفة · فريق تحرير متخصّص في معرفة

فريق تحرير مستقل يبحث في مصادر موثوقة ويراجع كل مقال قبل النشر لضمان الدقة والوضوح. المحتوى لأغراض تعليمية عامة.