علوم

كيف يعمل الدماغ؟ الخلايا العصبية والإشارات والفصوص

كيف يعمل الدماغ؟ الخلايا العصبية والإشارات والفصوص📷 Google DeepMind · Pexels

✦ أهم النقاط

  • يحوي الدماغ نحو 86 مليار خلية عصبية تتواصل عبر إشارات كهربائية ومواد كيميائية تُسمّى النواقل العصبية.
  • تنتقل الإشارة داخل الخلية العصبية كهربائيًا، وتعبر الفجوة بين الخلايا كيميائيًا عبر المشابك العصبية.
  • ينقسم القشرة الدماغية إلى أربعة فصوص رئيسة، لكل منها وظائف بارزة كالرؤية والحركة واللغة.
  • خرافة أننا نستخدم 10٪ فقط من الدماغ غير صحيحة؛ فنحن نستعمل كل أجزائه، وإن لم يكن كلها في آنٍ واحد.

داخل جمجمتك يقبع عضو لا يتجاوز وزنه كيلوغرامًا ونصف الكيلوغرام، رخوٌ في قوامه أشبه بالهلام، ومع ذلك فهو أعقد بنية نعرفها في الكون المدروس. هذا العضو، دماغك، يكتب كل فكرة تخطر لك، ويحرّك كل عضلة تتحرّك، ويحفظ كل ذكرى تعتزّ بها، ويقرأ في هذه اللحظة هذه الكلمات ويفهمها. فكيف يفعل كل ذلك؟

هذه المقالة نظرة عامة تعليمية في تشريح الدماغ ووظائفه، لا نصيحة طبية ولا تشخيصًا. هدفنا أن نفهم كيف يعمل هذا العضو المدهش على نحو مبسّط وآمن، بادئين من أصغر وحداته وصولًا إلى تنظيمه الكبير.

مخطّط الميزانية الشخصية

خطّط دخلك ومصروفاتك واعرف نسبة ادّخارك — برسوم حيّة.

اعرف أكثر · $9

الخلية العصبية: لَبِنة التفكير

الوحدة الأساسية في الدماغ هي الخلية العصبية، أو العصبون. يُقدّر عددها في دماغ الإنسان بنحو 86 مليار خلية، رقم يفوق الخيال. لكلّ عصبون شكل مميّز: جسم مركزي، وأذرع متفرّعة تُسمّى التغصّنات تستقبل الإشارات، ومحور طويل واحد يرسل الإشارة إلى خلايا أخرى. تخيّل شجرة صغيرة، جذورها تصغي والجذع ينقل الرسالة.

لكنّ العصبونات لا تعمل وحدها. فبجانبها خلايا داعمة تُسمّى الخلايا الدبقية، تفوقها عددًا، وتقوم بتغذيتها وحمايتها وعزل محاورها. لطالما اعتُبرت هذه الخلايا مجرّد «صمغ» يملأ الفراغ، لكن العلم الحديث كشف أن لها دورًا نشطًا في تنظيم عمل الشبكة العصبية.

كيف تسري الإشارة؟

التواصل داخل الدماغ يجمع بين لغتين: كهربائية وكيميائية. داخل العصبون الواحد، تسري الرسالة على هيئة نبضة كهربائية تُسمّى جهد الفعل، تنطلق على طول المحور بسرعة مذهلة قد تبلغ مئات الأمتار في الثانية. إنها موجة من التغيّرات في الشحنات تجتاح غشاء الخلية كأنها شرارة تجري في سلك.

لكن حين تصل الشرارة إلى نهاية المحور، تصطدم بفجوة دقيقة تفصلها عن الخلية التالية تُسمّى المشبك العصبي. هنا تتغيّر اللغة من كهربائية إلى كيميائية. تُطلق الخلية مواد كيميائية تُسمّى النواقل العصبية، تعبر الفجوة كرُسل صغار، وترتبط بمستقبلات في الخلية المجاورة، فتثيرها أو تكبحها. من أشهر هذه النواقل الدوبامين والسيروتونين والأستيل كولين.

من هذا التبادل البسيط في ظاهره، المكرّر تريليونات المرّات عبر تريليونات المشابك، تنبثق كل قدراتنا. فكرة، انفعال، حركة يد، صورة تتذكّرها: كلها في جوهرها أنماط من الإشارات تجري في شبكة حيّة تتغيّر باستمرار.

خريطة الدماغ: الفصوص الأربعة

الجزء الأكبر والأكثر تطوّرًا هو المخّ، وسطحه المتعرّج المطويّ يُسمّى القشرة الدماغية. تنقسم القشرة في كل نصف من نصفي الدماغ إلى أربعة فصوص رئيسة، ولكلّ منها وظائف بارزة، وإن كانت تتعاون دائمًا ولا تعمل معزولة.

الفصّ الجبهي في المقدّمة هو مركز التخطيط واتخاذ القرار وضبط النفس والحركة الإرادية، ويُعدّ مقرّ ما نسمّيه الشخصية. خلفه الفصّ الجداري الذي يعالج الإحساس باللمس والحرارة وموضع الجسم في الفضاء. أمّا الفصّ الصدغي على الجانبين فيرتبط بالسمع والذاكرة وفهم اللغة، بينما يتولّى الفصّ القفوي في المؤخّرة معالجة الرؤية وترجمة ما تراه العين إلى صور مفهومة.

أكثر من القشرة

تحت القشرة تكمن بنى أقدم وأعمق، لا تقلّ أهمية. المخيخ في الخلف السفلي ينسّق الحركة والتوازن ويجعل مشيتك سلسة دون أن تفكّر. وفي العمق تقبع بنى تُعنى بالانفعالات والذاكرة وتنظيم وظائف الجسم الأساسية. أمّا جذع الدماغ الذي يصل الدماغ بالنخاع الشوكي، فيتحكّم في أشياء لا نلتفت إليها لكنها تُبقينا أحياء: التنفّس وضربات القلب.

ويربط بين نصفي الدماغ جسرٌ سميك من الألياف يُسمّى الجسم الثفني، يتيح لهما تبادل المعلومات في كل لحظة. فرغم شيوع الحديث عن «إنسان النصف الأيسر المنطقي» و«النصف الأيمن المبدع»، فإن الواقع أن النصفين يعملان معًا على الدوام في معظم المهامّ، وهذا التقسيم الحادّ للشخصيات أقرب إلى التبسيط المخلّ منه إلى الحقيقة العلمية.

المرونة العصبية: دماغ يعيد تشكيل نفسه

من أجمل ما اكتشفه العلم أن الدماغ ليس بنية جامدة، بل يتغيّر مع التجربة طوال العمر. كلما تعلّمت مهارة جديدة أو حفظت معلومة، تتقوّى مشابك بعينها وتتشكّل وصلات جديدة. هذه القدرة تُسمّى المرونة العصبية، وهي سبب قدرتنا على التعلّم في أي سنّ، وعلى التعافي جزئيًا بعد بعض الإصابات.

التكرار هو مفتاح هذه المرونة: الطريق الذي تسلكه الإشارة مرارًا يصبح أسهل وأسرع، تمامًا كدرب في العشب يتّضح كلما مشى الناس عليه. هكذا تتحوّل المهارة الصعبة، بالتمرين، إلى عادة تلقائية، وتُبنى معرفتك لبنةً لبنة في نسيج دماغك الحيّ.

أشهر خرافة عن الدماغ

لعلّ أكثر ما يُقال عن الدماغ خطأً هو أننا لا نستخدم سوى 10٪ منه. هذه الخرافة جذّابة لكنها بلا أساس. تُظهر تقنيات تصوير الدماغ أن أجزاءه كلها تقريبًا تنشط عبر اليوم، وإن لم تكن كلها في اللحظة نفسها بالضرورة. حتى أثناء النوم يبقى الدماغ نشطًا يرتّب الذكريات ويصون توازن الجسم.

منطقيًا أيضًا، لو كنا نستعمل عُشر دماغنا فقط لما ترتّب على تلف بقية الأجزاء أي ضرر، وهذا يخالف كل ما نعرفه عن إصابات الدماغ. الحقيقة أروع من الخرافة: أنت تملك عضوًا يعمل بكامله، شبكة هائلة لا يُهدر منها شيء تقريبًا، تصنع منك أنت في كل ثانية من حياتك.

عضو نَهِمٌ للطاقة

رغم أن الدماغ لا يمثّل سوى نحو 2٪ من وزن الجسم، فإنه يلتهم قرابة 20٪ من الطاقة التي نستهلكها في الراحة. إنه أكثر أعضائنا شراهةً للوقود، ولا يتوقّف عن العمل لحظة، لا في اليقظة ولا في النوم. وقوده المفضّل هو الغلوكوز الذي يحمله الدم إليه عبر شبكة كثيفة من الأوعية الدقيقة.

هذا النهم يفسّر لماذا يتأثّر تفكيرنا وتركيزنا سريعًا حين ينخفض سكر الدم أو حين نُجهَد أو نُحرَم النوم. فالدماغ حسّاس لأدنى نقص في إمداده، ولهذا يحيطه الجسم بحماية مشدّدة: جمجمة صلبة، وأغشية واقية، وحاجز دقيق يصفّي ما يصل إليه من الدم لمنع كثير من المواد الضارّة من العبور إلى نسيجه الرقيق.

النوم: صيانة ليلية للدماغ

قد يبدو النوم توقّفًا عن النشاط، لكنه بالنسبة للدماغ ورشة صيانة مزدحمة. أثناء الليل يعيد الدماغ ترتيب ما تعلّمناه في النهار، فينقل ذكريات من مخزن مؤقّت إلى تخزين أطول أمدًا، ويقوّي الوصلات المهمّة ويقلّم غيرها. لهذا ينصح المعلّمون بالنوم الكافي قبل الامتحان، فالنوم جزء من عملية التعلّم لا انقطاع عنها.

وقد كشفت أبحاث حديثة أن الدماغ يغسل نفسه أثناء النوم أيضًا، إذ تتّسع المسافات بين خلاياه قليلًا فيتدفّق سائل يجرف الفضلات الأيضية المتراكمة خلال اليوم. النوم إذن ليس رفاهية، بل ضرورة بيولوجية يحافظ بها الدماغ على صحّته ووضوحه.

وكلّ هذا يذكّرنا بأن العناية بالدماغ لا تحتاج وصفات معقّدة: نومٌ كافٍ، وغذاءٌ متوازن، وحركةٌ منتظمة، وتعلّمٌ مستمرّ يبقي شبكته العصبية نشطة. إنه أثمن ما نملك، وأبسط ما يطلبه منّا هو أن نمنحه راحته وحاجته من الطاقة.

المصادر

استندت هذه المقالة إلى معلومات عامة من جامعة هارفارد، وموسوعة بريتانيكا، ومؤسسة سميثسونيان. وهي للتعريف العلمي العام لا للاستشارة الطبية.

🔬
قسم العلوم — معرفة · فريق تحرير متخصّص في معرفة

فريق تحرير مستقل يبحث في مصادر موثوقة ويراجع كل مقال قبل النشر لضمان الدقة والوضوح. المحتوى لأغراض تعليمية عامة.