لماذا تنسدّ آذاننا في الطائرة والجبال؟ وكيف تفتحها بأمان
📷 Begimai Nurmamet · Pexels✦ أهم النقاط
- «طقطقة» الأذن هي لحظة توازن الضغط بين الأذن الوسطى والهواء الخارجي.
- المسؤول عنها قناة صغيرة اسمها «استاكيوس» تصل الأذن الوسطى بمؤخّرة الأنف والحلق.
- مع تغيّر الارتفاع بسرعة (طائرة/جبل/غوص) يختلّ الضغط فتشعر بالانسداد حتى تُفتح القناة.
- البلع والتثاؤب ومضغ العلكة تفتح القناة بلطف وتعيد التوازن بأمان.
- الزكام يسدّ القناة فيزيد الألم؛ والألم الشديد أو المستمر أو فقدان السمع يستحقّ طبيبًا.
لعلّك عشت هذا الموقف عشرات المرات: تجلس في الطائرة وهي تبدأ الهبوط، فتشعر فجأةً أن أذنك «سُدّت»، وصار صوت من حولك مكتومًا وبعيدًا كأنك تحت الماء، وربما رافق ذلك ألمٌ خفيف يزداد. تبلع ريقك أو تتثاءب، فتسمع «طقّة» صغيرة داخل رأسك، وفجأةً يعود الصوت صافيًا ويزول الضغط. الأمر نفسه يحدث حين تصعد جبلًا بالسيارة أو تنزل في مصعدٍ سريع في برجٍ عالٍ. هذا الإحساس المألوف ليس عطلًا في أذنك، بل دليلٌ على أن نظام حمايةٍ صغيرًا وذكيًّا يعمل بالضبط كما ينبغي. لنفهم ما الذي يحدث فعلًا خلف هذه «الطقّة».
لنبدأ بصورة مبسّطة لأذنك. خلف طبلة الأذن — ذلك الغشاء الرقيق الذي يهتزّ مع الصوت — توجد حجرة صغيرة مملوءة بالهواء تُسمّى «الأذن الوسطى». ولكي تهتزّ طبلة الأذن بحرّية وتسمع جيدًا، يجب أن يكون ضغط الهواء داخل هذه الحجرة مساويًا لضغط الهواء خارجها. تخيّل الطبلة كجلد الدفّ المشدود؛ لو زاد الضغط من جهةٍ عن الأخرى، انحنى الجلد وفقد قدرته على الاهتزاز بحرّية، وهنا يبدأ الإحساس بالانسداد والكتم. فمشكلة «الأذن المسدودة» في جوهرها ليست انسدادًا بالشمع أو الماء، بل اختلالٌ في توازن الضغط على جانبي الطبلة.
🔥 حاسبة السعرات
احسب احتياجك اليومي من السعرات وسعرات هدفك — مجانًا وفوريًا.
البطل الخفيّ: قناة استاكيوس
لحلّ هذه المشكلة، زوّد جسمنا الأذن الوسطى بصمّام أمانٍ بديع: أنبوبٌ رفيع اسمه «قناة استاكيوس» يصل حجرة الأذن الوسطى بمؤخّرة الأنف والحلق. في الوضع الطبيعي تكون هذه القناة مغلقة معظم الوقت، لكنها تنفتح لحظيًا حين تبلع أو تتثاءب أو تتكلّم. وفي كل مرّة تنفتح، تسمح لدفعةٍ صغيرة من الهواء بالمرور بين الأذن الوسطى والخارج، فتعادل الضغط على جانبي الطبلة وتبقيه متوازنًا دون أن تشعر. تلك «الطقّة» التي تسمعها ليست إلا صوت هذه القناة وهي تنفتح فجأةً لتدفع الهواء وتعيد التوازن. إنها إذن ليست مشكلة، بل صوت الحلّ نفسه وهو يعمل.
لماذا يحدث الخلل عند تغيّر الارتفاع؟
المفتاح هو أن ضغط الهواء الجوّي يقلّ كلما ارتفعت، ويزيد كلما انخفضت. في الحياة اليومية تتغيّر الارتفاعات ببطء، فتفتح قناة استاكيوس تلقائيًا مع كل بلعةٍ وتوازن الضغط دون أن تلاحظ. المشكلة تظهر حين يتغيّر الارتفاع — وبالتالي الضغط الخارجي — بسرعة أكبر من قدرة القناة على المجاراة. أثناء هبوط الطائرة مثلًا، يرتفع الضغط الخارجي بسرعة، فيصبح أعلى من الضغط المحبوس داخل أذنك الوسطى، فيضغط على الطبلة من الخارج ويدفعها للداخل، فتشعر بالانسداد والألم. تظلّ كذلك حتى تفتح قناة استاكيوس فتدخل دفعة هواءٍ توازن الفارق — وعندها تأتي «الطقّة» والراحة. الغوص تحت الماء أشدّ وضوحًا لأن الضغط يتغيّر بسرعةٍ كبيرة مع العمق، ولهذا يتعلّم الغوّاصون تقنيات معادلة الضغط بعناية.
متى تنسدّ ولماذا: خريطة سريعة
يجمع الجدول التالي المواقف الشائعة، وما يحدث فيها، وكيف تريح أذنك:
| الموقف | ما يحدث للضغط | كيف تريح أذنك |
|---|---|---|
| هبوط الطائرة | الضغط الخارجي يرتفع بسرعة | ابلع أو تثاءب أو امضغ علكة باستمرار |
| صعود جبل بالسيارة | الضغط الخارجي ينخفض | بلع متكرّر، والتثاؤب يساعد |
| الغوص تحت الماء | الضغط يزداد بشدّة مع العمق | معادلة مبكّرة ومتكرّرة بلطف |
| رضيع في الطائرة | لا يعرف كيف يوازن بنفسه | أرضِعه أو أعطه رضّاعة أثناء الإقلاع والهبوط |
لاحظ المبدأ الموحّد: كل الحلول تهدف إلى فتح قناة استاكيوس لتمرّ دفعة هواءٍ توازن الضغط. البلع والتثاؤب والمضغ كلها حركاتٌ تشغّل العضلات التي تفتح القناة. ولهذا ينصحك المضيفون بمضغ العلكة أو تناول مشروب أثناء الإقلاع والهبوط: ليس ترفيهًا، بل لتبلع كثيرًا فتفتح القناة تكرارًا. أما الرضّع فلا يعرفون فعل ذلك إراديًا، ولهذا يبكون من الألم؛ والحلّ إرضاعهم أو إعطاؤهم رضّاعة أو لهّاية لأن حركة المصّ والبلع تفتح القناة نيابةً عنهم.
لماذا يتحوّل الزكام رحلةً مؤلمة؟
هنا نقطة مهمّة عملية: إذا سافرت وأنت مصابٌ بزكامٍ أو حساسية، فقد تتحوّل «الطقّة» البسيطة إلى ألمٍ حادّ. السبب أن نزلات البرد تسبّب تورّمًا واحتقانًا في بطانة الأنف والحلق، وهذا التورّم يسدّ فتحة قناة استاكيوس أو يضيّقها، فتعجز عن الانفتاح لتوازن الضغط. تبقى أذنك محبوسة تحت فارق ضغطٍ متزايد دون منفذٍ للتنفيس، فيشتدّ الألم وقد يستمرّ الانسداد بعد الرحلة. لهذا يُنصح من يعاني احتقانًا شديدًا بتأجيل السفر جوًّا إن أمكن، أو استشارة الصيدلي عن مزيلٍ للاحتقان مناسب يُؤخذ قبل الرحلة ليفتح المجاري — مع الانتباه إلى أن مثل هذه الأدوية لها موانع وأعراض، ولا تناسب كل الناس، ويجب سؤال المختصّ قبلها.
كيف تفتح أذنك بأمان — وما يجب تجنّبه
أفضل الطرق وأأمنها لطيفة: ابلع ريقك بتكرار، أو تثاءب بقصد، أو امضغ علكة، أو اشرب رشفاتٍ صغيرة متتابعة، خاصةً أثناء الإقلاع والهبوط. هناك أيضًا تقنية لطيفة تُعرف باسم «فالسالفا»: أغلق فمك، واضغط أنفك بأصابعك برفق، ثم انفخ بلطفٍ شديد كأنك تنفخ أنفك وهو مغلق حتى تشعر بامتلاء الأذن ثم انفتاحها. المهم كلمة «بلطف»: النفخ بعنفٍ شديد قد يؤذي طبلة أذنك أو يدفع مخاطًا ملوّثًا نحو الأذن الوسطى، لذلك لا تبالغ أبدًا في القوّة. تجنّب أيضًا إدخال أعواد أو أشياء في الأذن ظنًّا أنها ستفتح الانسداد؛ فالمشكلة ليست في قناة الأذن الخارجية أصلًا بل في توازن الضغط خلف الطبلة، وإدخال الأشياء يؤذي ولا يفيد.
متى يكون الانسداد إشارة تستحقّ الطبيب؟
في الغالب الأعمّ، انسداد الأذن مع تغيّر الارتفاع أمرٌ طبيعي وعابر يزول خلال دقائق أو ساعات. لكن هناك حالات تستحقّ عرضها على طبيب: أن يستمرّ الانسداد أو الألم أيامًا بعد انتهاء الرحلة، أو أن يكون الألم شديدًا جدًا لا يُحتمل، أو أن يصاحبه نزول سائلٍ أو دمٍ من الأذن، أو دوارٌ شديد، أو فقدانٌ ملحوظ للسمع لا يعود. هذه قد تدلّ على التهابٍ في الأذن أو تأثّرٍ في الطبلة يحتاج تقييمًا وعلاجًا. كذلك من يتكرّر لديه الألم الشديد في كل رحلةٍ جوية قد يستفيد من استشارة مختصّ أنفٍ وأذنٍ وحنجرة لإيجاد حلٍّ يناسبه. القاعدة المطمئنة: انسدادٌ عابرٌ ينفتح بالبلع والتثاؤب أمرٌ عادي؛ أما ألمٌ شديدٌ أو مستمرٌّ أو فقدان سمعٍ فرسالةٌ تستحقّ الإصغاء.
في النهاية، تلك «الطقّة» الصغيرة التي كثيرًا ما تزعجنا هي في الحقيقة صوت جسدٍ يعتني بنفسه ببراعة. في كل مرّة تصعد أو تهبط، يعمل صمّامٌ دقيقٌ في أذنك بصمتٍ ليحمي طبلتك ويحافظ على سمعك. وحين تفهم كيف يعمل، لن تعود الطقطقة مصدر قلق، بل ستعرف بالضبط كيف تمدّ لأذنك يد العون بحركةٍ بسيطة من بلعٍ أو تثاؤب. جسدك يعرف ما يفعل؛ وكل ما عليك أحيانًا أن تساعده قليلًا.
تنويه: هذا المقال لأغراض تعليمية عامة ولا يُغني عن استشارة مختصّ. إن كان الألم شديدًا أو مستمرًّا أو صاحبه فقدان سمعٍ أو خروج سائل، فاستشر طبيبك.



